متن : و منها : قوله تعالى :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
« 1 » .
و فى دلالتها تأمّل ظاهر .
و يرد على الكلّ أن غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهى المجهول عند المكلّف لو فرض وجوده واقعا ، فلا ينافى ورود الدليل العامّ على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم ، و معلوم أنّ القائل بالاحتياط و وجوب الاجتناب لا يقول به إلّا عن دليل علمىّ .
و هذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل ، بل هى من قبيل الأصل بالنسبة إليه ، كما لا يخفى .
و منها : قوله تعالى - مخاطبا لنبيّه صلى اللّه عليه و آله ملقّنا إيّاه طريق الردّ على اليهود حيث حرّموا بعض ما رزقهم اللّه تعالى افتراء عليه - :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً
« 2 » .
فأبطل ( تشريعهم ) بعدم وجدان ما حرّموه فى جملة المحرّمات الّتى أوحى اللّه إليه ، و عدم وجدانه صلى اللّه عليه و آله ذلك فى ما اوحى إليه و إن كان دليلا قطعيّا على عدم الوجود إلّا أنّ فى التعبير بعدم الوجدان دلالة على كفاية عدم الوجدان فى إبطال الحكم بالحرمة .
لكنّ الإنصاف أنّ غاية الأمر أن يكون فى العدول عن التعبير بعدم الوجود إلى عدم الوجدان إشارة إلى المطلب ، و أمّا الدلالة فلا ، و لذا قال فى الوافية « و فى الآية اشعار بأنّ إباحة الأشياء مركوزة فى العقل قبل الشرع » « 3 » . مع أنّه لو سلّم دلالتها فغاية مدلولها كون عدم وجدان التحريم فى ما صدر عن اللّه تعالى من الأحكام يوجب عدم التحريم ، لا عدم وجدانه فى ما بقى بأيدينا من أحكام اللّه تعالى بعد العلم باختفاء كثير منها عنّا ، و سيأتى توضيح ذلك عند الاستدلال بالإجماع العملىّ على هذا المطلب .
هامش
( 1 ) - انفال : ص 42 .
( 2 ) - الانعام : ص 145 .
( 3 ) - الوافية : ص 186 .