ويلزم هنا أن نذكّر بأنّ جنّة القيامة هي جنّة صوريّة ذات حور وغلمان وأشجار وأثمار ، وأنّ ما ذكرناه من أنّ جنّة القيامة هي طلوع عالم النفس من العوالم الثلاثة : الطبع والمثال والنفس ، وأنّ الإنسان يصل إلى مقام الفناء في الله فلا يبقى غير الفناء شيء إلّا ذات الحقّ سبحانه وتعالى ، هي أمور صحيحة ومحفوظة في مواضعها ؛ إلّا أنّ موقف الجنّة هو موقف البقاء بعد الفناء ، حيث لا تتنافى التجلّيات النفسانيّة هناك مع الاستيلاء والغلبة والسيطرة على عالمَي الصورة والطبع .
ونذكّر توضيحاً ، بأنّ نفس الإنسان تعبر - بلا شكّ - من عالم الطبع وعالمَي الصورة والمثال من خلال حركتها إلى الله تعالى وتحقّق معنى إنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ؛ ثمّ إنّها تندكّ وتفنى في ذات الحضرة الأحديّة ، فيكون لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ لا سواه . هناك عالم الفناء الذي تفنى فيه جميع الموجودات ، وعالم لا اسم له ولا رسم ولا صورة ولا شكل ولا عذاب فيه ولا ثواب ؛ ولا إنسان فيه ولا حيوان ولا جانّ ولا نبيّ ولا مَلَك ، حتّى أنّ ملك الموت ستُقبض روحه بأمر الله تعالى . ثمّ إنّ الموجودات تحصل على البقاء ببقاء الحقّ جلّ وعلا ، فتعود النفوس في عالم البقاء من جديد ، وتحصل على آثار وخواصّ وميزات ، ويصل الدور إلى الثواب والعقاب ، وإلى السؤال والحساب والكتاب والعرض والجزاء والصراط والميزان وتطاير الكتب ، وإلى المنبر والوسيلة والحمد ، وإلى الجنّة والنار في خاتمة المطاف . هناك ، حيث تبقى الموجودات ببقاء الحقّ وتخلّد ، وحيث طلوع عالم النفس في آثاره وخصوصيّاته .
فَرِيقٌ في الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ في السَّعِيرِ . « 1 »
هامش
( 1 ) - الآية 7 ، من السورة 42 : الشورى .