حياته الدنيويّة ثلاثاً وستّين سنة ، امتلك فيها مقامات ودرجات عالية من المسلّم أنّه لم يحظ بها النبيّ نوح - مع كونه جدّ نبيّنا الأكرم - وبلحاظ النهج فقد كان تلميذَ مدرسة ابنه ، وربيبَ ولايته وروحانيّته .
وَإنِّي وَإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً * فَلِي فِيهِ مَعْنى شَاهِدٌ بِابُوَّتِي « 1 »
لذا نلاحظ أنّ آدم أبا البشر ونوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء على نبيّنا وآله وعليهم الصلاة والسلام كانوا يتوسّلون بالأنوار الطيّبة للخمسة آل الكساء لرفع الموانع الغيبيّة ، ولفتح سُبل السلام ، ولطيّ مدارج القرب ومعارجه .
وعليه فإنّ سبلهم الباطنيّة إلى الله تعالى كانت مختلفة ، إلّا أنّها أيضاً موصلة إلى المطلوب ، وهادية إلى مقام قرب الحقّ ومعرفته .
ويُلاحظ في الآية المباركة :
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ « 2 »
أنّ السبل قد جاءت بصيغة الجمع ؛ أي أنّ هناك سبلًا وطرقاً للوصول إلى الله عزّ وجلّ لكسب مقام القرب والخلوص ، أمّا الصراط المستقيم فواحد لا يمكن أن يكون أكثر من واحد .
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمِ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ . « 3 »
وَإذاً لأتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّآ أجْراً عَظِيماً ، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً . « 4 »
فالذين يسلّمون للّه سبحانه ولرسوله تسليماً محضاً ، ولا يجدون في
هامش
( 1 ) - « ديوان ابن الفارض » ص 105 ، البيت 631 من التائيّة الكبرى : نظم السلوك .
( 2 ) - الآية 69 ، من السورة 29 : العنكبوت .
( 3 ) - الآيتان 6 و 7 ، من السورة 1 : الفاتحة .
( 4 ) - الآيتان 67 و 68 ، من السورة 4 : النساء .