الناس ليس لهما ميزان .
الطائفة الأولى : الأفراد الذين بلغوا في الإساءة والقبح حدّاً حبطت معه أعمالهم وخلت من أيّة حسنة - ولو في الجملة - لتُقاس في الميزان .
اولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِايَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآئِهِ فَحَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا . « 1 »
الطائفة الثانية : الذين تخطّوا الإخلاص ومجاهدة النفس الأمّارة ، فبلغوا درجة الخلوص والطهارة المطلقة ، وصاروا من الفانين في ذات الله تعالى ، وأضحوا - وفقاً للآية القرآنيّة - من المقرّبين والمخلَصين .
فلقد بلغ هؤلاء مرحلة في عالم التوحيد أسقطوا فيها جميع أقسام الغيريّة ، وأحرقوا واستأصلوا في كيانهم وصقع أنفسهم بنيان الكثرة القائم على الأوهام والأفكار الباطلة المتخيّلة ، وبلغوا مقام مشاهدة الوحدة في الكثرة ، والكثرة في الوحدة ، وأضحوا فانين في أحديّة الذات المقدّسة في نفس الوقت الذي فنوا فيه في وحدانيّته عزّ وجلّ . فلم يبقَ لهم عند ذاك بقايا من وجود وعمل وصفة لتوزن في الميزان . إذ أوكلوا كلّ ذلك إلى ربّهم وعدوّه مِلْكاً مطلقاً له تعالى . ولم يبق لهم من شيء ينسبونه إلى أنفسهم ، ليكون - من ثمّ - قابلًا لأن يُوزن .
فَاولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ . « 2 »
هناك حقيقة : يَا لَيْتَنَا كُنَّا مَعَكَ فَنَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ؛ أي المعيّة الصرفة لأولياء الله والمعصومين الذين تمثّل نفوسهم ووجودهم وسيرتهم عين
ميزان القسط والعدل والحقّ . فمن فني وأزاح عن نفسه كلّ شائبة وجوديّة
هامش
( 1 ) - الآية 105 ، من السورة 18 : الكهف .
( 2 ) - الآية 40 ، من السورة 40 : غافر .