تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ، أي أنّ ما كنتم تتخيّلون وتزعمون سيفنى ويزول ويتلاشى . أمّا في عالم النشر فالأمر على العكس ، إذ يبعث جميع الأموات وتظهر المخفيّات ، ويقف الإنسان على جميع أعماله وعباداته ومعاصيه ونواياه وأخلاقه وملكاته وعقائده . أمّا الآن وقد اتّضحت هذه المقدّمات السبع فنقول : إنّ الإنسان سيصل إلى مقام البقاء بعد أن يصل إلى مقام الفناء ، وأدنى درجات ذلك أن تحصل له الإحاطة العلميّة والوجوديّة بكثراته . أي أنّه سيحصل على السيطرة على عالمي الزمان والمكان ، وسيقف على نفسه منذ زمن ولادته إلى موته ، وذلك بهذا البدن العنصريّ ومع جميع الأفعال التي عملها ، وسيحصل على السيطرة الوجوديّة على جميع سيرته من الأعمال الصالحة والطالحة . أي أنّه سيدرك بدنه المادّيّ العنصريّ وجداناً ، ليس للحظة واحدة ، بل لجميع مدّة عمره مع جميع الآثار والخصائص والمستلزمات . وكما تحيط روحنا ببدننا في هذه اللحظة ، فإنّ روح الإنسان ستجد الإحاطة الوجوديّة ببدنه في جميع مدّة عمره ومع جميع خصوصيّاته ومقارناته ، وستهيمن عليه بتمام معنى الكلمة ، وسيكون للروح علم حضوريّ ببدنها وسيرته . وكما سبق أن ذكرنا ، فباعتبار أنّ الإنسان سيتجلّى مع أعماله في ذلك العالم في صورة ملكوتيّة ، وأنّ حقائق الأشياء ستنكشف له ، وأنّ الجنّة وجهنّم ، الثواب والعقاب ، هي - من جهة أخرى - نفس توفية الأعمال وحقائق الأفعال وتجسّد روحها وواقعها ، فإنّ الإنسان سيحصل - من ثمّ - على الإحاطة بجميع بدنه العنصريّ مع النيران التي سعّرها أو الورود والياسمين التي غرسها ، وليست هذه الإحاطة مجرّد علم وإحاطة تصوّريّة ، بل هي إحاطة وجوديّة أشبه بالروح المجرّدة ، والله العالم .