لكنّه حين يتحرّك ويتعرّف على موجودات العالم العلويّ ، ويأنس بتلك الصور العَارِيَة عَن الْمَوادِّ الْعَالِيَة عَنِ القُوَّةِ وَالاسْتِعْدَادِ ، فإنّه سيرى أنّ ذلك العالم كلّه نور . فهو أوّلًا نور أزليّ وأبديّ أشرق على الموجودات ؛ اي : على تلك الموجودات الملكوتيّة التي هي روح محض بلا صورة ، والأعلى من الكمّ والكيف . ذلك أنّ الصورة تتعلّق بعالم المثال والبرزخ ، أمّا هناك فعالَمٌ لا صورةَ فيه يفوق عالم المثال . هناك عالم ذو معانٍ مجرّدة وبسيطة وحقائق بحتة وصرفة .
ثمّ إنّ ذلك النور تنزّل من هناك وجاء إلى عالم الصورة ، فصار مشهوداً للإنسان كيف قد أشرق النور على الأسماء الجزئيّة ، ومن ثَمّ على الأسماء الأقلّ جزئيّة ، ووصل إلى جميع ملائكة عالم الصورة ، حيث كان للعوالم : الواحد بعد الآخر حظّ من نور الله تبعاً لسلسلة مراتبها المنظّمة ، ثمّ انتشر من العوالم العلويّة إلى النفس الإنسانيّة ، ومنها إلى العوالم الأدنى .
وهنا يتجلّى لنا كلام مولى الموالي في هذا الحديث الشريف الذي سبق ذكره :
وَإذَا اعْتَدَلَ مِزَاجُهَا وَفَارَقَتِ الأضْدَادَ فَقَدْ شَارَكَ بِهَا السَّبْعَ الشِّدَادَ .
اللهُ الَذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأنَّ اللهَ قَدْ أحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا . « 1 »
ويُستفاد منه أنّ القصد من خلق السماوات والأرض معرفة الإنسان وإقراره بسعة قدرة الله وإحاطة علمه تعالى شأنه .
هامش
( 1 ) - الآية 12 ، من السورة 65 : الطلاق .