المقرّبون الذين يُدعون أيضاً بالأبرار والسابقين ، فهم الذين عبروا مقامات ودرجات أصحاب اليمين وتخطّوها ، فصاروا طاهرين مطهّرين في ذاتهم وسرّهم ، ويسمعون ويقولون ويرون بلسان القلب واذنه وعينه . والذين قد سلّموا جميع شؤون وجودهم للّه سبحانه ، فإرادته واختياره في وجودهم بدل إرادتهم واختيارهم . أي أنّ نفس إرادتهم واختيارهم عين إرادة الله واختياره .
إن المقرّبين لساحة ذي الجلال هم الذين عُدّوا من عباد الله المخلَصين ، واستُثنوا في آية نفخ الصور المباركة ، وهذا الاستثناء في ظاهر تركيب العبارة ، إلّا أنّ الحقيقة هي أن لا استثناء في الأمر ، وأنّ الجميع يموتون . أي أنّ كلّ ذي نفس مآله إلى الموت ، بَيدَ أنهم ليسوا بأصحاب أنفس . الذي يموت هو كلّ من له نفس مختصّة به ومتعلّقة به ، أمّا هم فقد أدركوا شهوداً وعياناً أنّ أنفسهم غير متعلّقة بهم ، بل متعلّقة بالله تعالى .
ثمّ إنّ تجلّيات أسماء الربّ وصفاته التي تنشأ وتظهر من صقع نفوسهم تجلّيات شاملة وعامّة ، فلقد غادروا وجود وحضور عالم الطبع وعالم الصورة وعالم النفس ، فليسوا بعدُ أرضيّين ولا سماويّين ، بل فوق السماء والأرض . أي أنهم يعيشون في دائرة قدرة الخالق دونما حجاب للطبع والصورة والنفس ، مندكّين في أسماء الباري تعالى شأنه وصفاته وذاته . وليس لهم موت ، لأنهم وجه الله سبحانه :
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ ؛ « 1 » ووجه الله حيّ لا يموت .
على أنّ جميع أسماء الذات المقدّسة الإلهيّة وصفاته هي في مرحلة التعين ، وفي مرحلة الاسم الواحديّة ، أمّا اسم أحديّته فمبرّأ من كلّ تعين
هامش
( 1 ) - الآية 88 ، من السورة 28 : القصص .