قلت : وهذا هو العاشر ، فالوجود والعدم ضدان لا يجتمعان ، والحادث والقديم متنافيان لا يلتقيان ، وقد تقرر أن الحق واجب الوجود وكل ما سواه عدم على التحقيق ، فإذا ظهر الوجود انتفي ضده ، وهو العدم ، فكيف يتصور أن يحجبه وهو عدم ، فالحق لا يحجبه الباطل قال تعالى :
فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
[ يونس : 32 ] ، فلا وجود للأشياء مع وجوده فانتفى القول بالحلول إذ الحلول يقتضي وجود السوي حتى يحل فيه معنى الربوبية ، والفرض أن السوي عدم محض ، فلا يتصور الحلول ، وإلى هذا أشار في العينية بقوله :
ونزّهه في حكم الحلول فما له * سوى وإلى توحيده الأمر راجع
والقديم والحادث لا يلتقيان ، فإذا قرن الحادث بالقديم تلاشى الحادث وبقي القديم . قال رجل بين يدي الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : الحمد للّه ولم يقل رب العالمين . فقال له الجنيد : كمله يا أخي . فقال له الرجل : وأي قدر للعالمين حتى يذكروا معه . فقال الجنيد : قله يا أخي فإن الحادث إذا قرن بالقديم تلاشى الحادث وبقي القديم انتهى . فقد تقرر أن الأشياء كلها في حيز العدم ، إذ لا يثبت الحادث مع من له وصف القدم ، فانتفى القول بالاتحاد ، إذ معنى الاتحاد هو اقتران القديم مع الحادث ، فيتحدان حتى يكونا شيئا واحدا وهو محال ، إذ هو مبني أيضا على وجود السوى ولا سوى . وقد يطلقون الاتحاد على الوحدة كقول ابن الفارض :
وهامت بها روحي بحيث تمازجا * اتحادا ولا جرم تخلّله جرم
فأطلق الاتحاد على اتصال الروح بأصلها بعد صفائها ، ولذلك قال بعده :
ولا جرم تخلله إلخ ، فتحصل أن الحق سبحانه واحد في ملكه قديم أزلي باق أبدي منزه عن الحلول والاتحاد مقدس عن الشركاء والأضداد ، كان ولا أين ولامكان ، وهو الآن على ما عليه كان .