اعلم أن علماء التصوف قسموا النفوس إلى سبعة ، وبالحقيقة أنها نفس واحدة لكن تسمى باعتبار صفاتها المختلفة بأسمائها ، وهذه النفس هي الناطقة ، وتسمى باللطيفة الربانية ، فكلما اتصفت بصفة سميت لأجل اتصافها بها باسم من هذه الأسماء ، فإذا تدنست بالميل إلى الطبيعة والركون إلى الشهوات واتصفت بالبخل والكبر والحسد والعجب وسوء الخلق ونحو ذلك من القبائح سميت أمارة ، قال الصديق الأكبر
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
« 1 » ولما سكنت تحت الأمر التكليفي وأذعنت لاتباع الحق وعرفت ما ينفعها غدا وما يضرها ، لكن بقي فيها .
ميل للشهوات النفسانية سميت لوامة ، فإن زال هذا الميل وقويت على معارضة النفس الشهوانية وزاد ميلها إلى عالم القدس وتلقت الإلهامات وفهم الدسيسات سميت مهملة ، فإذا سكن اضطرابها وخشع هيجانها ولم يبق للشهوات حكم ، بل نسيتها بالكلية وزالت عنها الصفات الذميمة ، سميت مطمئنة ، فإذا ترقت عن هذا وسقطت المقامات من عينها وفنيت عن جميع مراداتها سميت راضية فإذا زاد هذا الحال عليها ، وهو التعلق باللّه وطلب رضاه حتى يتساوى عنها وصله وجفاه سميت مرضية عند الحق والخلق ، فإذا أمرت بالرجوع إلى العباد بإرشادهم وبسلوكهم وتكميلهم سميت كاملة ، ويسمى ذلك عندهم بالمقامات ، فطريق اللّه تعالى منازل عند أهلها يقطعها السالك واحدة بعد واحدة إلى أن يصل إلى آخرها ، فينقطع السلوك ولا تنقطع التجليات ولو بعد الموت ، كما مر ، إذا تقرر ذلك فاعلم ، وفقني اللّه وإياك لطريق المقربين ، أن هذه الطريق ، أعنى طريق العارفين ، غير
هامش
( 1 ) سورة يوسف : آية 53 .