اعلم أن المريد لا يجب عليه التخلق بجميع آدابه مع إخوانه ، لأنه مشغول بحق اللّه عن حقوقهم ، فلا يقدر على الجمع بين حق اللّه وحق عباده ، وإنما يؤمر ببعض أخلاق منها في طريق الخلطة والمجاروة ، فما هو في طريق العشرة ، ثم إذا انتهى سيره وبلغ مبلغ الرجال فهنا لا يطالب بالتخلق بأخلاق الكمل كلها ، وإيضاح ذلك أن الأخلاق المحمدية لا تخلع على أحد إلا إذا دخل حضرة اللّه تعالى الخاصة التي يدخلها السالك عند كمال سلوكه في العادة ، وتلك الحضرة يحرم دخولها على من بقيت فيه بقية من روعات النفس ، بدليل عدم صحة الوضوء لمن ترك لمعة من أعضاء الطهارة لم يصبها ماء ، ثم إذا استقر في تلك الحضرة خلع عليه من الأخلاق المحمدية ما قسم له فيرجع متخلقا بها من غير كلفة عليه في ذلك ، وأمر أن يعطى كل ذي حق حقه على الكمال ، من والد وزوجة وولد وصاحب وجار ، ونحوهم ، ولو أمر في بدايته بذلك لما قدر على السير في الطريق لضعفه على الجمع بين حق اللّه وحق عباده .
وإذا علمت ذلك فمن آداب المريد مع إخوانه أن يكون محبا لهم جميعا ، كبيرهم وصغيرهم ، ويكون ذلك للّه تعالى وأن لا ينظر لهم إلى عورة ظهرت ، ولا إلى زلة سبقت إذ هو لا يؤمن من الوقوع في مثلها فإذا وقع في مثلها يحب من إخوانه أن يرحموه ويعتذروا عنه ويقولوا بأن إبليس هو الذي أوقعه بإرادة اللّه ، وإنه أوقع من هو أعظم منه ، فلذلك ينبغي له أن يعاملهم بعدم الازدراء وإقامة العذر ، وقد أجمعوا أن كل فقير اطلع على شئ من عيوب الناس ، ولو من طريق الكشف ، فهو في حضرة الشيطان لا في حضرة الرحمن ، ولا في حضرة ملائكته ، وكل كشف اطلع صاحبه على شئ من عيوب الناس فهو كشف شيطانى يجب
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 127
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص١٢٧