وما ملت يوما عنك للغير سلوة * وكيف ويا نوري معي أنت حاضر
وأنت رفيقي لا رفيق سواك لي * وإن أنا عن إيفاء حقّك قاصر
أحبّك لا بي بل بك الحبّ منّة * عليّ كما أنّي بك الآن شاكر
يقول عذولي : لا تخاطر بقربه * وهل يدرك المأمول إلّا المخاطر
وإنّي لأدري أنّ طرق وصاله * تدور على الأقوام فيها الدوائر
ولكن له سلّمت نفسي فإن يرد * هداها وإن يضلل فما هو جائر
وماذا عسى نفسي تعادل في الورى * فمن أجلها عن مالكي أنا نافر
فررت به مني إليه لأنّني * تحقّقت أن لا غير والأمر ظاهر
فكان اضطرارا كون قلبي موحدا * له وبه لأبي أنا اليوم ذاكر
أهيم بأنفاس النسيم وإنّني * بطيب الحمى لا بالنسائم عاطر
وأظهر أنّي قد ظفرت بعلمهم * وقلبي بذات الخال لا العلم ظافر
ودونك شرعي إن هويت طريقتي * فإنّي مدى عمري إلى الحبّ سائر
وكن هكذا مثلي فقيرا من السّوى * ومن نفسه تأتيك منك الذخائر
وغب عنك وامح نقطة الغين ثابتا * وغص في بحار الجمع تبد الجواهر
ولأنّك من قوم أماتت ذنوبهم * نفوسا لها الأجسام منهم مقابر
فإنّ طريق الحقّ سهل سلوكه * وأوضح منه ليس يدرك ناظر
وليس بذكر أو بفكر تناله * سوى بالصفا والمحو عمّا يغاير
وهذا حجاب النفس يصعب خرقه * وعقلك منه وهو للحقّ ساتر
فمت في الهوى تحيى وأغمض عن السّوى * تقرّ بذاك الوجه منك النواظر
طلبت مقاما بذل روحك شرطه * وأنت على ما أنت ناه وآمر
وما هكذا شرط الهوى إن ترد فرد * فناء الفنا وانس الّذي أنت ذاكر
ووطّن على الإنكار نفسك والأذى * فمن عسلا يجني على النحل صابر
وقد كثرت فيه العواذل غيرة * وقلّ لطلاب الحقيقة ناصر
فإن شئت فاقدم هكذا الشرط بيننا * وإلّا فلا تقدم لأنّك آخر
وقال رضي اللّه عنه :
لو تجلّى عن ناظريك الغبار * لرأيت الكؤوس كيف تدار
ولبانت نار لديك كما با * نت لموسى من جانب الطور نار
ولزالت رسوم ذاتك فيمن * لم يزل وانمحت به الآثار