تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاربعينيات لكشف أنوار القدسيات — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
العقل ، كما يشهد بذلك ألسنة أرباب الأدب والنقل ، فهي فرض والوجود نفل ، وتلك تشخّص وذاك شكل ، ولها عليه كلّ الفضل ، وله عليها بعض الحمل ، فهو فرع وتلك أصل ، فيتبعها في كلّ الأمور سيّما الجعل ، ويعرف هذا القول من يعرف الفصل من الوصل .

نفحة [ 3 ] [ الماهية هي المجعول بالذات ، والوجود مجعول بالعرض ]

ولأصالة الماهيّة في الجعل بيان آخر ، أظنّه ليس بخاف على أهل البصيرة والبصر ، أليس من الحصر أنّ الماهيّة إمّا أن يكون هي الأثر ، أو الوجود هو المجعول المؤثّر أو المجعول هو اتّصاف أحدهما بالآخر ، وإذ لا سبيل على أنّ كلّا منهما بالذّات صدر ، لبداهة القول بصدور الواحد عن مثله لأهل النظر ، ولقوله عزّ شأنه :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
« 1 » ، فذلك الشقّ كأنّه من الاحتمال بأبعد منظر « 2 » ، فبقيت الثلاثة الآخر وبيّن أنّ القول بالثالث على مهواة كثيرة الخطر لاستلزامه تحقق طرفي الاتّصاف بلا مصدر ، والقول به هذر على هذر ، لا يقول به من هو على فطرة البشر . وأمّا زعم من جعل الوجود هو الأثر ، فليس له من التحقيق خبر ، إذ هو إمّا مع تبعية الماهيّة لذلك الذي ظهر ، فيلزم تقدّم الصفة على الموصوف بها ولا وزر ، ووجود مثل العرض بلا مستقرّ ، وإمّا مع استغنائها عن الأثر ، وكونها منه على حذر ، فتكون هي مستغنية الذات عن الجاعل المؤثّر ، متذوّتة الهوية دون الإله المقتدر ، فثبت أنّ الماهيّة هي أوّل ما انفطر ، وأخذ فيه الجعل وأثّر ، وتبعه الوجود في هذا السفر ، فهاهنا جعل واحد مستطر ، لكن لكل منهما بقدر ، فبالذات لأوّل ما صدر ، وبالعرض للثاني الذي تأخّر ، وهذا هو خير مستقرّ ، وأحسن تأويل للبشر .

نفحة [ 4 ] [ الوجود للطبيعة بالذات وللأفراد بالعرض ]

وإذ قد دريت أنّ جعل التابع تبع لجعل المتبوع ، فاعرفن أنّ الفصول والتشخصات
هامش
( 1 ) . القمر : 50 . ( 2 ) . ن : نظر .