بأسرها ووقفها على ذلك المسجد على من ينزل به من الغرباء وأهل الفضل وطلبة العلم نفقة لهم حتى لا تختل أمورهم ولا يصيبهم من الخلل ما أصابنا ، وذلك كله من قوة الدين وصفوة الاعتقاد .
قال العارف الكبير وسراج أهل الملة الشهير سيدي ابن عطاء اللّه السكندري « 1 » - نفعنا اللّه به وبسرّه ومدده - : متى وفقك للطلب فاعلم أنه يريد
هامش
( 1 ) هو سيدي أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء اللّه الشيخ تاج الدين أبو الفضل الجذامي السكندري الشاذلي .
إمام تاج علمه مرتفع ، وشمل فضله مجتمع ، وخبر نعته مشتهر ، ودر حكمه منتشر ، ومصنفاته مفيدة ، وحلل ذكره على مر الأيام جديدة .
هجر النوم وقلاه ، ولو لم يكن له غير كتاب التنوير لكفاه .
قال التاج السبكي : أراه كان شافعيا ، وقال غيره : كان مالكيّا .
وله اليد الطولى في العلوم الظاهرة ، والمعارف الباطنة ، إمام في التفسير والحديث والأصول ، متبحر في الفقه ، وله وعظ يعذب في القلوب ، ويحلو في النفوس .
وكان قد تدرب بقواعد العقائد الشرعية ، وهذبته العلوم ، فاستدل بالمنطوق على المفهوم ، فساد بذلك العصابة الصوفية ، فكان له من الرياسة شرب معلوم ، وهو صاحب كتاب الحكم الذي من تأمله قال ما هذا منشور ، إن هذا إلا لؤلؤ منثور ، كل سطر منه جنة قد حفت بالثمار ، وأحدقت بأنوار الأزهار ، وكل شطر من سطر لو يباع بثمن بخس لاشتري بألف دينار .
صحب العارف المرسي ، وأخذ عنه جمع من الأعيان ، وانتفع به خلق كثر ، منهم شيخ الشافعية التقي السبكي .
وأصله من الإسكندرية ، ثم قطن مصر ، وصار يعظ الناس ويرشدهم ، وله الكلمات البديعة المفردة بالتدوين .
مات سنة تسع وسبعمائة ، ودفن بالقرافة بقرب بني الوفا قدس اللّه أسرارهم .
ومن كراماته أن الكمال بن الهمام زار قبره ، فقرأ عنده سورة هود حتى وصل إلى قوله :فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ[ هود : 105 ] وأجابه من القبر بصوت عال : يا كمال ، ليس فينا شقي . فأوصى بأن يدفن هناك .
ومنها أن رجلا من تلامذته حج ، فرأى الشيخ في المطاف ، وخلف المقام ، وفي المسعى ، وفي عرفة . فلما رجع سأل عن الشيخ : هل خرج من البلد في غيبته إلى الحج ؟ قالوا : لا . . فدخل إليه وسلم عليه ، فقال له : من رأيت في سفرك هذه من الرجال ؟ قال : يا سيدي ، رأيتك . . فتبسم وقال : الرجل الكبير يملأ الكون ، لو دعي القطب من جحر لأجاب . وانظر : الكواكب الدرية ( 2 / 583 ) بتحقيقنا .