ولهذا زجر السّلف عن البحث والتفتيش وعن الكلام فيه ، وإنما زجروا ضعفاء العوام وأما أئمة الدين فلهم الخوض في غمرة الاشكالات ومنع العوام عن الكلام يجري مجرى منع الصّبيان عن شاطئ الدّجلة خوفا عن الغرق ، ورخصة الأقوياء فيه تضاهي رخصة الماهر في صفة السّباحة إلا أنّ هاهنا موضع غرور ومزلة قدم ، وهو :
أن كل ضعيف في عقله يظنّ أنّه يقدر على إدراك الحقائق كلها وأنه من جملة الأقوياء ، فربما يخوضون ويغرقون في بحر الجهالات من حيث لا يشعرون ، والصواب منع الخلق كلهم إلا الشاذ النادر الذي لا تسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين ، من تجاوز سلوك مسلك السّلف في الايمان للرسل والتصديق المجمل بكل ما أنزل اللّه تعالى وأخبر به رسول اللّه ( ص ) فمن اشتغل بالخوض فقد أوقع نفسه في شغل شاغل إذ قال رسول اللّه ( ص ) حيث رأى أصحابه يخوضون بعد أن غضب حتى احمرت وجنتاه : أفبهذا أمرتم ؟ تضربون كتاب اللّه بعضه ببعض انظروا فما أمركم اللّه به فافعلوا وما نهيكم عنه فانتهوا .
فهذا تنبيه على منهج الحق واستيفاء ذلك شرحناه في كتاب قواعد العقائد فاطلبه منه انتهى كلامه رحمه اللّه .
وفي نهج البلاغة ( قال رجل لأمير المؤمنين ( ع ) صف لنا ربنا لنزداد له حبّا وبه معرفة :
فغضب ( ع ) ثمّ صعد المنبر فخطب خطبة جليلة قال فيها : فانظر أيّها السّائل فما دلّك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضىء بنور هدايته ، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه ولا في سنة النبي ( ص ) وأئمة الهدى اثره فكل علمه إلى اللّه سبحانه فان ذلك منتهى حق اللّه عليك ، واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم اللّه عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب ، فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح اللّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا « 1 » فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة اللّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين ) « 2 » .
أشار ( ع ) في كلامه هذا إلى قوله عزّ وجلّ :
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
« 3 » .
هامش
( 1 ) هذا الحديث رواه العلامة المجلسي أعلى اللّه مقامه في الجزء الثاني من البحار عن تفسير العياشي بتفاوت يسير إلى قوله رسوخا وقال في شرحه : الاقتحام : الهجوم والدخول مغالبة ، والسدد جمع السدة وهي الباب المغلق « الخ »
( 2 ) نهج البلاغة : ص 124 خطبة 91
( 3 ) سورة آل عمران : الآية 7