تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
المدنيّة عن الفتوحات المكّيّة ، وقد وصف اللّه سبحانه نفسه في كلامه المجيد بعالم الغيب ، وأطلقه على نفسه . فنفي علم الغيب عنه تعالى مستقبح ومستكره جدّا ، بل هو تكذيب للحقّ سبحانه في الحقيقة ، وإرادة معنى آخر من الغيب لا يخرج هذا الكلام من الشّناعة " كبرت كلمة تخرج من أفواههم " . ( فيا ليت ) شعري ما حملهم على التّفوّه بأمثال هذه الكلمات الصّريحة في خلاف الشّريعة . وابن المنصور معذور في قوله : أنا الحقّ وكذلك البسطاميّ « 1 » في قوله : " سبحاني " لكونهما مغلوبي الحال . وأمّا أمثال هذا الكلام فليس بمبنيّة على غلبة الأحوال ، بل هي صادرة بعمل عن صاحبها ومستندة إلى التّأويل . فليست بقابلة للعذر ، ولا يقبل في هذا المقام تأويل أصلا ، وإنّما يصرف عن الظّاهر كلام السّكارى لا غير . فإن كان مقصود المتكلّم من إظهار هذا الكلام ملامة الخلق إيّاه ونفرتهم عنه ، فهو أيضا مستكره ومستهجن ؛ فإنّ طرق تحصيل ملامة الخلق كثيرة ، فأيّ ضرورة تدعو إلى أن يرتكب ما يوصّل إلى حدّ الكفر . وحيث تكلّمتم في تأويل هذا الكلام واستفسرتم عنه فبحكم لكلّ سؤال جواب نتكلّم في هذا الباب بالضّرورة : وعلم الغيب عند اللّه سبحانه وما قيل : إنّ الغيب لا يكون إلّا معدوما والمعدوم لا يكون معلوما فإنّ العلم لا يتعلّق بالمعدوم معناه أنّ الغيب لمّا كان بالنّسبة إليه سبحانه معدوما مطلقا ولا شيئا محضا لا معنى لتعلّق العلم به ، فإنّ معلوميّته تخرجه عن معدوميّته المطلقة واللّاشيئيّة المحضة . ألا ترى أنّه لا يقال : إنّ الحقّ سبحانه عالم بشريكه ، فإنّ شريكه تعالى وتقدّس ليس بموجود أصلا بل هو لا شيء صرف . نعم يمكن تصوّر مفهوم الغيب والشّريك ، ولكنّ الكلام ليس في مفهومهما بل في مصداقهما ، ومثل هذا حال جميع المحالات ، فإنّ مفهوماتها ممكنة التّصوّر ومصادقها ممتنعة التّصوّر . فإنّ المعلوميّة تخرج عن الاستحالة ولا أقلّ من إعطائها الوجود الذّهنيّ . والاعتراض الّذي أوردته على توجيه مولانا محمّد الرّوجيّ « 2 » صحيح فإنّ نفي النّسبة العلميّة في مرتبة الاحديّة المجرّدة مستلزم لنفي مطلق العلم ، ولا
هامش
- حكم الفصوص لابن عربي ، اللمعة النورانية في حل مشكلات الشجرة النعمانية ، وغير ذلك . انظر : السبكي : طبقات الشافعية : 5 / 19 ، الصفدي : الوافي : 2 / 200 ، الزركلي : الأعلام : 6 / 254 ، كحالة : معجم المؤلفين 3 / 123 . ( 1 ) أبو يزيد البسطامي تقدمت ترجمته . ( 2 ) هو الشيخ شمس الدين محمد الروحي ، ولد في روج - وهي قرية على تسعة فراسخ من هراة - ليلة نصف شعبان عام 820 ه ، وكان لأمه ولد نجيب فمات وهو ابن خمس سنين فحزنت عليه ؛ فرأت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال لها لا تحزني فسوف يعطيك اللّه تعالى ولدا طويل العمر ذا دولة فأتاها هذا العزيز فكانت تقول له : أنت الذي بشرني بك النبي صلى اللّه عليه وسلم وكان يحب الخلوة في صغر سنه فسمع مرة من والدته أن من قرأ كذا يرى النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ فقرأ ونام ، فرأى أنه على باب البيت وأمه على دكة الباب تقول له أين كنت فإني بانتظارك لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم جاء إلى بيتي فهلم نذهب إليه ، قال : فأخذت بيدي إليه صلى اللّه عليه وسلم فرأيته جالسا وحوله ناس قياما وقعود ، وهو يبعث بالرسائل إلى البلدان ، فقدمتني أمي إليه وقالت يا رسول اللّه هذا الذي وعدتني به أم غيره ، فنظر إلي وتبسم وقال هو هذا ، وأمر الكاتب فكتب لي ورقة نحو ثلاثة أسطر وتحتها أسماء الشهود وقرأها وأعطانيها ، قال ثم أفقت فرأيت والدتي على الباب وبيدها شمعة فقالت لي هل رأيت شيئا ؟ قلت نعم رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالت لي وأنا كذلك رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم بمثل ما رأيت ، وقد تتلمذ الشيخ الروجي على الشيخ صدر الدين الرواسي ، وغيره ، وتوفي رضي اللّه عنه - سنة 904 ه . انظر : السنهوتي : الأنوار القدسية : 153 ، 154 .