وحصول هذه الدّولة منوط بالفناء المطلق . وهذا التّوجّه من نتيجة المحبّة الذّاتيّة ، ومقدّمة ظهور الولاية الخاصّة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة . وحصول هذه النّعمة العظمى موقوف على كمال اتّباع شريعته عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أكملها فإنّ شريعة كلّ نبيّ الّتي أعطاه اللّه إيّاها من طريق النّبوّة مناسبة لولايته ، فإنّ التّوجّه في الولاية إلى الحقّ بالكلّيّة ، فإذا نزل بإذن اللّه سبحانه إلى مقام النّبوّة ينزل بذلك النّور ويجمع ذلك الكمال مع التّوجّه إلى الخلق . وسبب حصول كمالات مقام النّبوّة هو ذلك النّور أيضا ( ولهذا قيل ) ولاية النّبيّ أفضل من نبوّته ، فلا جرم تكون شريعة كلّ نبيّ مناسبة لولايته واتّباع تلك الشّريعة مستلزم للوصول إلى تلك الولاية . فإن قيل : إنّ بعض من يتبع شريعة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام لا نصيب له من ولايته صلّى اللّه عليه وسلّم بل هو على قدم نبيّ آخر وله نصيب من ولايته . ( أجيب ) إنّ شريعة نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام جامعة لجميع الشّرائع ، والكتاب الّذي أنزل إليه شامل لجميع الكتب السّماويّة . فاتّباع هذه الشّريعة كأنّه اتّباع لجميع الشّرائع ، فمن له مناسبة لنبيّ من الأنبياء يأخذ نصيبا من ولايته على قدر استعداده ولا محذور فيه . بل أقول إنّ ولايته عليه الصّلاة والسّلام حاوية لولايات جميع الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات . فالوصول إلى واحدة من تلك الولايات وصول إلى جزء من أجزاء هذه الولاية الخاصّة ، وسبب عدم الوصول إلى تلك الولاية القصور في كمال متابعته عليه الصّلاة والسّلام ، وللقصور درجات . فلا جرم حصل التّفاوت في درجات الولاية ، ولو تيسّر كمال الإتّباع لأمكن الوصول إلى تلك الولاية ، والاعتراض إنّما يرد إذا حصلت الولاية المحمّديّة لمتابعي شرائع الأنبياء الأخر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والتّحيّات وليس فليس . الحمد للّه الّذي أنعم علينا وهدانا إلى الصّراط المستقيم والدّين القويم . والصّراط المستقيم عبارة عن هذا الطّريق المتين والشّرع المبين ( إنّك لمن المرسلين على صراط مستقيم ) دليل لهذا المعنى رزقنا اللّه سبحانه وإيّاكم كمال اتّباع شريعته عليه الصّلاة والسّلام بحرمة كمّل أتباعه ومعظم أوليائه رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين آمين . وحامل رقيمة الدّعاء لمّا كان في صدد التّوجّه إلى تلك الحدود صار باعثا على تحريك سلسلة المحبّة بتحرير كلمات .
والسّلام عليكم ورحمة اللّه سبحانه لديكم .
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 127
مساهمون: أحمد الفاروقي السرهندي
ص١٢٧