تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
بعبادة واجتهاد فيها وذكر آخر برعة فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : " لا تعدل بالرّعة « 1 » شيئا " يعني الورع وقال أيضا عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها : " ملاك « 2 » دينكم الورع " وفضيلة الإنسان على الملك إنّما هي بسبب هذا الجزء ، والتّرقّي في مدارج القرب أيضا من هذا الجزء ، فإنّ الملائكة أيضا متشاركون في الجزء الأوّل والتّرقّي مفقود فيهم . فكانت رعاية جزء الورع والتّقوى من أهمّ مهامّ الإسلام وأشدّ ضروريّات الدّين ، ورعاية هذا الجزء الّذي مداره على الإجتناب من المحارم إنّما تتيسّر على وجه الكمال إذا حصل الإجتناب عن فضول المباحات واكتفى منها بقدر الضّرورة فإنّ إرخاء عنان النّفس في ارتكاب المباحات يجرّ إلى المشتبهات ، والمشتبه قريب من المحرّم ومن « 3 » حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، فلا بدّ إذا في حصول كمال الورع والتّقوى من الاكتفاء بقدر الضّرورة من المباحات ، وهو أيضا مشروط بنيّة تحصيل القوّة على أداء وظائف العبوديّة ، وإلّا فهذا القدر أيضا وبال ولقليله حكم الكثير . ولمّا كان الإجتناب عن فضول المباحات بالكلّيّة في جميع الأوقات خصوصا في هذا الزّمان متعسّرا وعزيز الوجود ، لزم الإجتناب عن المحرّمات وتضييق دائرة ارتكاب فضول المباحات مهما أمكن ، وأن يكون نادما على هذا الإرتكاب ومستغفرا منه دائما ، وأن يلتجئ ويتضرّع إلى اللّه تعالى في جميع الأوقات معتقدا أنّ هذا الإرتكاب لفضول المباحات فتح باب الدّخول حوالي المحرّمات . فعسى أن تقوم هذه النّدامة والاستغفار والالتجاء والتّضرّع مقام الإجتناب عن فضول المباحات ، وأن تسدّ مسدّه ، وأن تدفع آفاتها وتحفظ عنها . قال واحد من أعزّة الأكابر : انكسار العاصين أحبّ إلى اللّه تعالى من صولة المطيعين . والإجتناب عن المحرّمات على قسمين : قسم يتعلّق بحقوق اللّه سبحانه وتعالى ، وقسم يتعلّق بحقوق العباد . ورعاية القسم الثّاني أهمّ من رعاية القسم الأوّل ، فإنّ الحقّ سبحانه غنيّ على الإطلاق وأرحم الرّاحمين ، والعباد فقراء محتاجون وبخلاء ولئام بالذّات . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم " من « 4 » كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه " وقال أيضا صلّى اللّه عليه وسلّم : " أتدرون « 5 » من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ! فقال : إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك
هامش
( 1 ) رواه الترمذي عن جابر واسناده حسن والرعة مصدر ورع يرع رعة بكسر الراء في الثلاثة كذا في مختار الصحاح . ( القزانى رحمة اللّه عليه ) ( 2 ) اخرجه أبو الشيخ والديلمي عن أبي هريرة بلفظ ملاك الدين الورع وروى الطبراني عن ابن عمر قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أفضل العبادة الفعه وأفضل الدين الورع . ( القزانى رحمة اللّه عليه ) ( 3 ) اخرجه الشيخان من حديث نعمان بن بشير . ( القزانى رحمة اللّه عليه ) ( 4 ) رواه البخاري عن أبي هريرة . ( القزانى رحمة اللّه عليه ) ( 5 ) رواه مسلم عن أبي هريرة . ( القزانى رحمة اللّه عليه )