تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشكول — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
والبكاء على ما سلف منه ، والأسف على ما ضيع من أيامه ، ولا يفارقه حسرة ما فرط « 1 » وهمل في البطلات ، ويرى نفسه مستحقة لكل عذاب وسخط « 2 » . قال النفيسي في بحث الصداع : والصداع الذي يكون عن دود « 3 » متولد في مقدم الدماغ مؤذ بحركته وتمزيقه « 4 » يكون مع نتن في رائحة الأنف لأنّ الدود إنما يتولد من رطوبة قد تعفنت بالحرارة الغريبة . فينفصل عنها قبل استحالتها إلى الدود عما لم يستحل قبل أبخرة نتنه « 5 » انتهى كلامه . وفي قوله عما لم يستحل قبل نظر فان هذا هو بعينه ما قبل الاستحالة ، والصواب إبدال لفظ قبل ببعد ويمكن التكلف في إصلاح كلامه : بأنّ مراده أنّ الأبخرة ينفصل عن جميع تلك الرطوبة قبل استحالة شيء منها دودا ، وعن بعضها وهو ما لم يستحل قبل إذا استحال البعض الآخر وهو كما ترى . قوله والصواب الخ هنا مسامحة من وجهين : الأول أنّ الأقرب إبدال لفظ قبل ببعد فإنّ قوله عما لم تستحل متروك ، الثاني أنّ التكلف تكلف . كما قاله سلمه اللّه . قال الإمام الراغب : القرآن منطو على الحكم كلها علميها وعمليها ، كما قال جل وعلا
كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ
« 6 » لكن ليس يظهر ذلك الا للراسخين وما من برهان ودليل وتقسيم وتحديد في المعلومات العقلية والسمعية الا وكلام اللّه قد نطق به وأورده تعالى على عادة العرب دون دقائق طرق الحكماء والمتكلمين : لأمرين أحدهما ما أشار إليه سبحانه بقوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
« 7 » والثاني : أنّ المائل إلى دقيق المحاجة « 8 » وهو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذين يفهمه الأكثرون لم يتحظ إلى الأدق ، وقد ورد القرآن العزيز في صورة جلية تحتها كنوز خفية ، لتفهيم العامة من جليه ما يقنعهم ، ويفهم الخواص من دقائقه ما يزيد على ما أدركه فهم الحكماء بمراتب شتى ، ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من القرآن أكثر ، وكذلك إذا
هامش
( 1 ) فرط من الافراط ( زياد روى ) ( 2 ) السخط الغضب . ( 3 ) دود : كرم بكسر كاف . ( 4 ) تمزيق : چشيدن . ( 5 ) أبخرة نتنة : بخار متعفن . ( 6 ) ياسين الآية ( 11 ) . ( 7 ) سورة إبراهيم ( ع ) الآية ( 4 ) . ( 8 ) المحاجة مفاعلة من الحجة .
الكشكول — صفحة 353 | الشيخ البهائي العاملي / محمد الكرمي