وهكذا الأمر في هذا العلم الذي نحن بصدد بيانه ، فإن له أصولا موضوعة لو لم تصدقها بحسن الظن لا يمكنك إثبات فروعهم أصلا ، ولما هذه الأصول والأمهات مسألة وحدة الوجود فإنهم أنفقوا : أي المحمّديون طائفة بالكشف الخاص بهم من دون الأمم أن الوجود واحد ، والكثرة موهومة كالبحر إذا تنفّس سمّي بخارا ، فإذا تراكم سمّي سحابا ، فإذا تقاطر سمّي مطرا ، فإذا سال سمّي سيلا ، فإذا اجتمع ورجع إلى البحر عاد له الاسم الأول .
فمن نظر إلى هذه الأمور غافلا عن البحر حكم بالامتياز ، وأثبت الكثير ، ومن نظر إلى البحر ، وعرف أنها أحكامه حكم بأنها عين البحر لا أمر زائد إلا الشخص وهو أمر عدمي نسبي لا وجود له .
شعر :
البحر بحر على ما كان من قدم * إن الحوادث أمواج وأنهار
لا يحجبنّك أشكال تشاكلها * عمّن تشكل فيها فهي أستار
وقال الآخر :
هو الواحد الموجود في الكلّ * سوى أنه في الوهم سمّي
فإن قيل وحدة الوجود على مذهب بعض الصوفيّة الوجوديّة لا كلّهم ، قلنا : ليس الأمر كما فهمت ؛ لأن الأمر ما يتم إلا بهذا القول ، وهو مخ التصوف ، وملّاك أمره بل كلهم على كلمة سواء بينهم .
قال تعالى :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ يوسف : 41 ] فلو كان في الوجود موجودان كيف تصحّ ضميمة سير الطائفة قدّس سرّه التي ضمّها إلى الحديث وهو :
« كان اللّه ولم يكن معه شيء »
« 1 » وهو الآن كما كان فلم يصدق قدّس سرّه في قوله : وهو صادق .
هامش
( 1 ) تقدّم تخريجه .