المختلفة صورا مختلفة ، طولا وعرضا ، فإنها تنوّعت الصور بحسب المرائي لا غير ، وأنت الرائي على ما أنت عليه ، وتعلم بذلك في نفسك ، ولا تنكر تنوعات صورك بل تعلم أنها صورك ، وهكذا الأمر في الكون .
وإن شئت قلت في الإلهيات : أما ترى صور المنام ، إنك ترى صورا مختلفة ، ونتحقق أنه لا غير هناك .
قال الشيخ ابن الفارض قدّس سرّه في هذا المقام « 1 » :
أتحسب من ناجاك في سنة * سواك بأنواع العلوم الجليلة
فإنه قدّس سرّه ضرب المثل لوحدة النفس مع تنوعات أوصافها وصورها ، فإنه عينها لا غيرها ، ( وما كل أحد ) ( من عموم أهل اللّه ) بل خواصه ، ( يعرف هذا ) : أي أن الأمر منك إليك .
إنما قال رضي اللّه عنه : ( يعرف ) ولم يقل : ( يعلم ) ؛ لأن المعلومات كلها تذكار ، فإنها كانت معلومة ثم أنسيت ثم أعلمت ، فسمّيت معرفة ؛ لأنها مسبوقة بالجهل بخلاف العلم ، فلهذا إن العلم صفة الحق ، والمعرفة صفة الكون ، ( وأن الأمر على ذلك ) : أي لا يعرف أن كل ما خرج منك يعود إليك ، ( إلا آحاد من أهل اللّه ) ، أهل القرآن هم أهل اللّه ؛ لأن القرآن كلام اللّه ، وكلامه علمه ، وعلمه عينه ، فلم يجعل لهم صفة سوى عينه ، ولا مقام أشرف ممن كان عين الحق صفته على علم منه ، فافهم .
وأما آحادهم فهو الذي كشف له عن عينه ، ورأى أحكامها بعينها بحسب القابليات والاستعدادات ، ثم تنزل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، بلا قصور وفتور ، بل بعلم وشعور ، بل بكشف وشهود وحضر ، بل بذوق في نفسه ، إن الأمر منه بدأ وإليه يعود .
( فإذا رأيت من يعرف ذلك ) بالكشف والشهود والذوق ، ( فاعتمد عليه أنه ) صاحب علم تام عام ، فإنه لا يكشف هذا الكل أحد ، بل هو للمعتني الفرد المعتمد الذي به الحل والعقد .
هامش
( 1 ) انظر : ديوان سيدي ابن الفارض ( ص 77 ) .