وهذا الأمر في الجناب الإلهيّ عن شأنه ، فإن الحق محيط بكل شيء ، فمن عرف كل شيء في ضمنه أو بالالتزام ، فمن عباده تعالى : من يكون عرف نفسه فقد عرف ربه وعرف الأشياء بربه ، وقد يكون عرف نفسه وعرف الأشياء بنفسه ، ويكون ممن عرف نفسه وعرف الأشياء بنفسه ؛ لأن عينها هذا أتم ما يكون في الإلهيين ، فافهم المراد .
وهنا مبحث آخر ، وهو : إن العلم هل يقبل القلة والكثرة ؟ أو هو معنى من المعاني فلا يقبل القسمة ، بل له أحدية العين لا يتجزأ ولا يقبل القلة والكثرة .
مع أنه قال تعالى :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
[ الإسراء : 85 ] فانقسم ، وقال تعالى :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] .
قلنا المراد من العلم في الآية المعلومات ، ذكره رضي اللّه عنه في الباب السادس والأربعين من « الفتوحات » ، فما انقسم ولا دخل تحت القلة والكثرة .
وقال رضي اللّه عنه في كتابه المسمّى بكتاب المعرفة : إن العلم عندنا واحد لا أقول أن لكل معلوم علما فإني لا أشترط فيه التعلق بكل المعلومات بل له صلاحية التعلق وإنما قلنا بوحدانيته ؛ إذ لو كان لكل معلوم علم والمعلومات لا نهاية لها محال ، انتهى كلامه رضي اللّه عنه ، فافهم .
واجمع المشرب الأول بالثاني تكن عليما ، فإن فوق كل ذي علم عليم فلا يكون هذا إلا لمن يكون العلم عين ذاته ، فافهم .
ولولا قصور المدارك ما احتجت إلى هذه التنبيهات كلها ؛ لأنها كالعلاوة الخارجة عن المقصود ، فافهم وأمعن النظر فيما مضى .
والحقّ أخّر الكلام بأوله وأجمع النّكت المبثوثة فيه ؛ لتكون عليما فهما ، فإن ما كل عليم فهم .
أما ترى قال اللّه تعالى :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
[ الأنبياء :
79 ] ، فافهم .