ومن هذا المقام قال صلى اللّه عليه وسلم :
« الحكمة ضالة المؤمن »
« 1 » .
وقال تعالى :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
[ الذاريات : 55 ] .
( وبين مراتبهم ) : أي بين اللّه تعالى مراتب العالم سوى الإنسان أو مرتبة نفسه من حيث أنّه إنسان ، ومراتب بنيه أو المجموع فيه : أي في ذلك الاطلاع أو في آدم الخليفة أو في الوجود الحق ؛ وذلك لأن العالم بالنسبة إلى الكامل سواء كان نفسه أو بنوه أو غيرهما بمنزلة الأجزاء كلها ، وتبين له جزء جزء على مراتبها ؛ لأنها منها بمنزلة النفس ، ومنها بمنزلة القوي ، ومنها بمنزلة الحواس ، ومنها الحواس منها بمنزلة الظاهرة ومن الظاهرة منها بمنزلة السمع ، ومنها بمنزلة البصر ، ومنها بمنزلة الشم والذوق واللمس ، ومنها بمنزلة الحواس الباطنة ، ومنها بمنزلة الأعضاء ، ومنها بمنزلة العضّلات ، ومنها بمنزلة الزينة كالشّعر ، كما ذكرناه سابقا ؛ أن الملائكة بمنزلة القوي ، وقس على هذا الأمر كله .
ومن كان بنفسه في نفسه بهذه الشهود والأتم ، إلا وفي اطلع على الكل بحسب مراتبهم ، وبمعرفته بنفسه على هذا الأسلوب عرف اللّه .
وهذا تصديق قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« من عرف نفسه فقد عرف ربه »
« 2 » فإنّه عين المجموع ، وهذا من علم المضاهاة فإنّه رأى نفسه واحدة العين كثيرة المظاهر ، وحده في عين كثرة ، وعرف ربّه أنّه واحد كثير ، فعرف مراتب الكثرة في عين الوحدة ، وسراية الوحدة في الكثرة ، وعلّم نفسه أنّه بمنزلة حبه ، أوجد الحق منها أوراقا وأغصانا وأزهارا وأصولا وعروقا وبذورا كثيرة .
فظهرت الكثرة في الصورة عن عين واحدة ، وهي عينها وغيرها بالشخص وهذا هو المراد من إيجاد العالم .
قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] :
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 51 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1395 ) .
( 2 ) تقدم تخريجه .