فإن الأمر الصادر منكم إمّا ذم ، فهو لكم وأنّكم سواد الوجه في الدّارين كل يشاكله عمله ، وإمّا حمد ، له الحمد في الآخرة والأولى ، وأخيرا علم الخلق به صلى اللّه عليه وسلم أن الحمد للّه على كل حال ما قيده بشيء حتى الأمر في جميع الأحوال سواء كان بواسطة أو بغير واسطة ، وإن شئت قلت في الجمع أو الفرق ، فإن له عواقب الثناء وذلك ؛ لأن الحمد هو الثناء ، والثناء على قسمين : ثناء عليه بما هو له كالثناء بالتسبيح ، وثناء عليه بما يكون منه وهو الشكر على من أسبغ النّعماء وإلا لا .
والعبد وما في يده لمولاه فلا يملك شيئا ؛ حتى يكون الحمد بما هو له ، ولا يخرج منه شيئا ، فإن خروج الشيء عن الشيء فرع أن يكون له شيء ، وقد قلنا أنه ليس له من الأمر شيء ، فالحمد للّه كله له ، فافهم .
فكونوا وقايته في الذّم فتكونوا كالوقاية من أسنّة المكاره وسنان اللسان ، وأضيفوا كل مكروه إليكم فداءا له .
( واجعلوا وقايتكم في الحمد ) : أي ألحقوا الوجود والخير كله إلى ربكم ؛ ليكون الخلاص لكم الخلاص من شرور الزهو والظهور .
قال تعالى :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
[ الحج : 37 ] فالظاهر متّقي والباطن متّقي فالكل متّقي وهو الكل أنه .
قال تعالى :
أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ
[ المدثر : 56 ] هذا حقيقة أعوذ بك منك ، فافهم « 1 » .
( يكونوا أدبا ) : أي تكونوا جامعين الخير كله ، وجماع الخير أن تقف مواقفك ولا تتعدّى طورك ، ولا تجعل بنفسك للّه اسما وصفة ، ولا تسمّيه إلا بما سمّاه نفسه ولا تضيف إليه إلا بما أضاف اللّه إلى نفسه ويكون معه على توفيق التوفيق ، فما أسند إلى نفسه تسند إليها ، فتسند الخير إليه كما أسنده إلى نفسه .
هامش
( 1 ) انظر : سهل المرتقى في الحث على التقى للشيخ ماء العينين ( بتحقيقنا ) .