في آدم فنسي والنسيان نعت إلهي ، فما نسي إلا من كونه على الصورة .
قال اللّه تعالى :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
[ التوبة : 67 ] كما يليق بجلاله ، فلمّا علم اللّه أن هذا العبد للقوة الإلهية التي معه يبعد عن مقتضى النشأة ولا بد يدّعي في نعوت ما هو حق اللّه تعالى ؛ لأن الدعوى صفة إلهية والعبد مخلوق على الصورة .
قال تعالى :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
[ طه : 14 ] فادّعى العبد أنه لا إله إلا هو وهي دعوى صادقة ، ومن ادّعى دعوى صادقة لم يتوجه عليه حجة وكان له السلطان على كل من ادّعى عليه دعواه ؛ لأن الشدة ، والغلبة ، والقهر ، فإنها لا تقاوم فغار من المشاركة وحجر عليه بعض النعوت ، وقال : من يتعدى هذه الحدود كالعظمة ، والكبرياء ، والجبروت فتضمنه .
وقال تعالى :
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
[ غافر : 35 ] .
فهو عين الغيرة « 1 » .
أما ترى أنه جعله خليفة في الأرض لا في السماء مع وجوده على الصورة ؛ لأنه
هامش
( 1 ) الغيرة غيرة في الحق لتعدي الحدود . والغيرة تشعر بثبوت الغير ، ومشاهدته ، ومن حيثية الغيرة تظهر لفواحش ، والغيرة إنما تظهر عند رؤية المنكر والفواحش ، والأغيار الثابتة ، فكثرتها إما نسب ، وأحوال مختلفة معقولة قائمة بعين واحدة ، لا وجود لها إلا في تلك العين ، وإما آثار استعدادات المظاهر في الظاهر فيها ، فعلى التقديرين لا وجود في الأغيار مع ثبوت حكمها في العين الظاهرة بها .
فخذ من هذا التقريب من أين ثبوت نشأت الفواحش ؟ ولم حرمت ؟ والإنسان مأمور بأن يجعل نفسه وقاية للظاهر فيه ، والغيرة محمودة ومذمومة ، فالمحمودة : هي التي اتصف بها الحق ، والرسل ، وصالحو المؤمنين على أنها مرموزة في الطبع فلا بدّ منها .
وغيرة تطلق بإزاء كتمان الأسرار : الأولى غيرة في الحق ، وهذه غيرة على الحق ، وهذه حالة الألياء الأصفياء الذي يسعون في ستر أحوالهم ومقامهم على الخلق فلا يتميزون بعادتهم وعبادتهم عن العامة . وغيرة الحق صفته على أوليائه وهم الضائن .
وهذه غيرة من الحق ، ولهم خلف حجب العوائد الواصلة الدائمة ، وعندية الحق معهم تقتضي أن يكون التمييز بين الظاهر ، والمظاهر أخفى ، فهم عنده كهو عندهم ، فأخفى العين في العين .