ربما يطغى ويقول : أنا ربكم الأعلى ولو طغى ما وقع الإنس وما خلق إلا للإنس به فبهذه الاعتبارات نزّلهم بمنزلة من خرج عن الحضرة فناداهم .
وقال : يا أيها الناس ، ولم يقل : يا أيها المؤمنون أو غيره من الألفاظ ، للإشعار بالنشأة منهم والاعتذار عنهم .
قال رضي اللّه عنه في كتاب القدس في مناصحة النفس : فالقوي منا المتمكن هو الذي يخرق حجاب سره يعني : مرتبة الخلافة الجمعية العامة الكبريائية بينه وبين ربه : أي لا يرى ألوهية نفسه ، بل يشاهد ألوهية ربه دون ألوهيته ، فيتعبّد فيعرف عبوديته ، فحينئذ يكون أقوى العالم وأشده ؛ لرفعه ذلك الحجاب الأقوى فتكون منزلته أعلى وقوته أعظم ، وهناك يتميز ويتحارى مع العالم في الرفعة والانحطاط ، وهناك راتب مبلغ العارفين العالمين .
وأمّا هذا المدرك الذي أومأنا إليه فبعيد أن تسمعه من غير هذه الرسالة على درج هذا التحقيق .
ثم قال رضي اللّه عنه : وأمّا قبل أن تحرقه فإنه يثمر لك ما أثمر للجبارين .
قال تعالى فيهم :
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
[ غافر : 35 ] ختم عليه بالشفاء ، فإذا خرقت حجاب الجمع العام الكبريائي ؛ استودعه فيك منه فنفدت من ورائه إلى عبوديتك ، عاينت ألوهية الحق المقدسة ، فوجدته ولم تشرك به شيئا .
قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
[ النساء : 48 ] وهنا يجوز يهلك فيها عالم كثير من أهل طريقتنا لعدم ذلك التحقيق ، ووقوفهم مع سر الجمعية ، فحجبتهم الرئاسة عن استيفاء العبودية ، والخدمة فافهم .
فلما كان دواء هذا الداء العضال التقوى فأمره بالتقوى ، وقال تعالى :
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[ الأنفال : 29 ] : أي لتفرقوا بين الحق والباطل .