ويشير إلى هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم :
« تخلّقوا بأخلاق اللّه »
« 1 » ، وظهور الأخلاق لا يكون إلا في عالم التشبيه للخليفة ، فاستخلف الخليفة واستعان بذاته وتحجّب بحجاب العزّة لاستحالة جمع المستخلف والمستخلف ، ولا يجمع المورث والوارث ، فافهم .
وأمّا قولك : إن الميراث من تمليك قهري ؛ فذلك لأن الإرث بحكم الاستعداد وبتحكّم القابليّة ، والاستحقاق الذاتي .
ومن هذا المقام قال سبحانه في طائفة :
لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
[ الانشقاق : 25 ] إلا منه روع ؛ لأنه اقتضاء ذاتي .
وقال في الآخرين :
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ النحل :
118 ] وكما أن المال الموروث من غير كسب ، وتصنع من الوارث ، كذلك هنا أن علومه آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من غير كسب واستفادة .
وهنا مشرب آخر دون ذلك وهو : إن تعلم أن الورث ورثان ، ورث نبوّة أن العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام .
وقال صلى اللّه عليه وسلم :
« الأنبياء ما ورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم « 2 » »
. فمن أخذه بحظ وافر ، فلم يبق الميراث إلا في العلم والحال والعبارة عمّا قصدوه من اللّه تعالى في كشفهم ، وهو على نوعين صوري ومعنوي .
أمّا الصوري : منه ما يتعلّق بالألفاظ والأفعال وما يظهر من الأحوال ، فإن الوارث ينظر إلى ما كان يفعله النبي صلى اللّه عليه وسلم ما أبيح للوارث الاقتداء به فيه ، فيأتيها على حد ما وردت لا نزيد ولا يزيد ولا ينقص منها ، وإن اختلفت الروايات فليفعل بكل رواية وقتا بهذا ووقتا بهذا ولو مرة واحدة ، ويدوم على الرواية القويّة إذا أمكن له ولا ينقص أصلا ثابتا .
ومن هذا الذوق روي عن الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه : إنه ما أكل البطيخ حتى
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 9 / 351 ) ، وذكره المناوي في فيض القدير ( 5 / 170 ) بنحوه .
( 2 ) رواه الترمذي ( 5 / 48 ) ، وابن ماجة ( 1 / 81 ) ، والديلمي في الفردوس ( 3 / 74 ) .