[ توهّم خلق العالم على مثال سابق ]
وممّا أجبت به من يتوهّم من كون العالم ثابتا « 1 » في العلم الإلهيّ قبل أن يخلقه الحقّ جلّ وعلا ، وأنّه « 2 » خلقه على مثال سبق ، فكأنّ هذا يقول : لا فرق بين خلق اللّه - تعالى - وخلق عباده بإذنه ، والجواب أنّ هذا المتوهّم إن كان قد توهّم أنّه - تعالى - أوجد العالم على حدّ ما علمه فتوهّمه حقّ ، إلّا أنّ عبادته فاسدة ، وإن كان توهّمه أنّ اللّه - تعالى - لم يعلم صور المخلوقات إلّا على حال ما سبق من علمه ، فذلك كفر .
ومعلوم أنّ العلماء قد أجمعوا على أنّ اللّه - سبحانه وتعالى - أبدع العالم كلّه على غير مثال سبق عكس ما عليه عباده ، فإنّ اللّه - تعالى - إذا أقدر عبدا من عباده على أن يخلق شيئا بإذنه لا يخلقه إلّا إذا « 3 » أنشأه في نفسه أوّلا عن تدبير ورويّة ، ثمّ بعد ذلك تبرزه القوّة العمليّة « 4 » إلى الوجود الحسيّ على شكل ما يعلم له مثل ، وهذا محال في حقّ الحقّ تعالى ، فلم يزل الحقّ - تعالى - عالما بخلقه أزلا ، والخلق لا يعلمون بأنفسهم ، ولا يجوز أن يقال :
الخلق « 5 » كانوا على صورة ، ثمّ علمها الحقّ - جلّ وعلا - قبل خلقهم ؛ لأنّه يؤذن بسبق صور العالم على العلم القديم ، وأنّه - تعالى - اخترع شيئا لم يكن يعلمه « 6 » ، وذلك كفر .
وقد ثبت « 7 » بالأدلّة القاطعة نحو قوله « 8 » - تعالى - :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
« 9 » ، وقوله :
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
« 10 » أنّه عالم بكلّ شيء ، وأنّ علمه قديم ، وأنّه - تعالى - اخترعنا بالفعل على غير مثال سبق ، وأنّنا خرجنا للوجود على حدّ ما كنّا في علمه تعالى ، ولو لم يكن كذلك لخرجنا للوجود على حدّ ما لم « 11 » يعلمه الحقّ تعالى ، وما لا يعلمه لا يريده ، وما لا يريده ولا يعلمه لا يوجده ، فنكون نحن حينئذ موجودين بأنفسنا أو بحكم
هامش
( 1 ) " ك " ، " ز " : " كان ثابتا " .
( 2 ) " ك " ، " ز " : " الواو " ساقطة .
( 3 ) " د " : " إذا " ساقطة .
( 4 ) " ك " : " العلمية " ساقطة .
( 5 ) " ك " ، " ز " : " إن الخلق " .
( 6 ) " ك " : " لا يعلمه قبل ذلك . . . " .
( 7 ) " ك " : " وقد سبق " .
( 8 ) " ك " ، " ز " : " على قوله تعالى " .
( 9 ) ( الملك ، الآية 14 ) .
( 10 ) ( الشورى ، الآية 12 ) .
( 11 ) قوله : " في علمه تعالى ، ولو لم يكن كذلك لخرجنا للوجود على حد ما لم " ساقط من " ك " و " ز " .