العدل في قوله - تعالى - :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
« 1 » ، فلم نفسك ، ولا تلم ربّك ، فإنّك ادّعيت « 2 » أنّك أنت الذي تخلق كلّ ما يقع على يديك من الأعمال ، والأقوال ، وقد سمع الشّيخ محيي الدّين العربيّ - رضي اللّه تعالى عنه - « 3 » شخصا يقول :
كيف يؤاخذني الحقّ - تعالى - على فعل قدّره عليّ قبل أن أخلق ، وهو يعلم عجزي عن ردّ أقداره النّافذة فيّ ؟ فقال له الشّيخ : فهل تعلّق علمه - تعالى - بك إلّا على صورة ما أنت عليه في نفسك ، فقال : نعم ، لم يتعلّق علمه بي إلّا على صورة ما أنا عليه ، فقال له الشّيخ :
فإذا لم نفسك ، ولا تلم الحقّ جلّ وعلا ، فإنّه ما نسج لك إلّا ما غزلته من رقيق ، أو غليظ ، أو نفيس ، أو خسيس ، أو حرير ، أو مشاقة كتّان « 4 » ، انتهى .
ومن فهم ذلك عرف صدق قوله - تعالى - :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
« 5 » ،
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
« 6 » ، ونحوها من الآيات ، وإنّ ذلك من باب تحقيق الأمر لا من باب تعليم الخلق الأدب مع ربّهم ، فإن قلت : فما وجه « 7 » إتيانه - تعالى - « 8 » بصيغة " ظلّام " دون " ظالم " ؟ فإنّه لمّا « 9 » انتفى الظّلم عن الحقّ - تعالى - مرّة واحدة ، انتفى عنه الظّلم مرّات من باب أولى ، فالجواب أنّه - تعالى - إنّما جمع بالنّظر لمجموع أفراد العالم ، فلا يظلم هذا ، ولا هذا ولا هذا « 10 » ، فما أتى بصيغة الجمع إلّا ردّا لما يتوهّمه كلّ عبد من المتوهّمين في زعمه في الباطن « 11 » ، ولا يقدر على التّلفّظ به ، فأفهم على أنّه لا يصحّ وصفه - تعالى - بالظّلم لعبد بوجه من الوجوه لأنّه مالكه ، وخالقه ، ولكن لمّا كانت هذه الدّار دار حجاب « 12 » ، فربّما خطر على بال العبد شيء من
هامش
( 1 ) ( البقرة ، الآية 286 ) .
( 2 ) " أ " : " ادعيت " ساقطة .
( 3 ) " ك " : " رضي اللّه عنه " .
( 4 ) المشاقة من الكتان والقطن والشعر : ما خلص منه ، وقيل هو ما طار وسقط عن المشق ، وهو المشط .
( 5 ) ( فصلت ، الآية 46 ) .
( 6 ) ( النحل ، الآية 118 ) .
( 7 ) " أ " : " وجه " ساقطة .
( 8 ) " ك " ، " ز " : " تعالى " ساقطة .
( 9 ) " ك " ، " ز " : " فإنه إذا " .
( 10 ) " ب " ، " ز " : " ولا هذا " ساقطة .
( 11 ) " ك " ، " ب " : " الباطل " ، وهو تصحيف .
( 12 ) " ب " : " الدار حجاب " .