ولذلك شرع لنا سؤاله أنّه لا يكلّفنا بذلك : والجواب أنّ هذا توهّم باطل ، فإنّ أفعال الحقّ - تعالى - كلّها عين الحكمة لا بالحكمة كما مرّ ؛ لئلّا تكون الحكمة علّة لها ، وتعالت أفعال اللّه - تعالى - عن العلل ، والدّور ، والتّسلسل .
وسمعت سيّدي عليّا الخوّاص - رحمه اللّه تعالى - « 1 » يقول : لو صحّ أن يكلّف اللّه - تعالى - « 2 » عبدا بما فوق طاقته ما كان للّه الحجّة البالغة على عباده ، وقد قال « 3 » - تعالى - :
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
« 4 » ، وقال « 5 » :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« 6 » ، وقوله - تعالى - حقّ وصدق « 7 » لا شكّ فيه ، انتهى .
فيجب على كلّ عبد الإيمان والتّصديق بما وعد اللّه عزّ وجلّ ، وبما أضافه إلى عباده « 8 » من الأفعال التي يؤاخذهم عليها إلى أن يكشف اللّه - تعالى - عنه الحجاب في الدّنيا ، أو في يوم القيامة ، ويعلم الأمر يقينا ، ويعرف وجه نسبة الفعل إلى اللّه « 9 » ، ووجه نسبته إلى العبد بطريق محقّق لا شبهة فيه ، ولولا خوف إثارة الفتن « 10 » من المحجوبين لأظهرنا ذلك لإخواننا ، وستأتي نبذة من ذلك في « 11 » الجواب الآتي بعده إن شاء اللّه تعالى ، فاللّه - تعالى - يمنّ عليهم بكشف الحجاب ، ويجعلهم ممّن يقيم الحجّة على نفسه دون ربّه باطنا وظاهرا ، آمين « 12 » .
فعلم أنّ من توهّم في اللّه - تعالى - أن يحمّله من التّكاليف ما فوق طاقته فهو مسيء الأدب مع اللّه - تعالى - لما في ذلك من رائحة إقامة الحجّة على اللّه في سرّه ، ولا يليق بالعبد إلّا أن يفدي الحقّ - تعالى - بنفسه في كلّ ما فيه رائحة اعتراض على شيء من أفعال القدرة الإلهيّة ، فإنّ اللّه - تعالى - قد أضاف الفعل إلى العبد كما أضافه - تعالى - إلى نفسه ، وهو « 13 » صادق في كلتا الإضافتين « 14 » ، فلابدّ لذلك من محلّ ينكشف للعبد
هامش
( 1 ) " ك " ، " ز " : " تعالى " ساقطة .
( 2 ) " ب " : " تعالى " ليست فيها .
( 3 ) " ك " ، " ز " : " اللّه تعالى " .
( 4 ) ( الأنعام ، الآية 149 ) .
( 5 ) " ك " ، " ز " : " وقال تعالى " .
( 6 ) ( البقرة ، الآية 286 ) .
( 7 ) " ك " ، " ب " ، " ز " : " صدق وحق " .
( 8 ) " ب " : " أضاف إليه عباده " .
( 9 ) " ك " ، " ز " : " اللّه تعالى " .
( 10 ) " ك " ، " ب " ، " ز " : " الفتنة " .
( 11 ) " أ " ، " ب " : " في " ساقطة .
( 12 ) " ك " ، " ز " : " آمين ، اللهم آمين " .
( 13 ) " د " ، " ك " ، " ز " : " وهو تعالى " .
( 14 ) في النسخ جميعها : " كلا الإضافتين " .