( فالجواب ) : حجاب العظمة الذي هو كناية عن عدم الإحاطة به تعالى لا يرفع أبدا وإنما المراد بكمال الرؤية له تعالى زيادة انكشاف أمر لم يكن لأهل الجنة قبل ذلك إذ لو كشف حجاب العظمة لأحاط الخلق علما بربهم ولعرفوه تعالى كما يعلم هو نفسه ولا قائل بذلك فليست لذة الرؤية الواقعة لأهل الجنة كلهم إلا مزيد انكشاف لهم لا غير ، ولذلك قال المحققون أنه تعالى يرى بلا كيف .
( فإن قلت ) : فما الوجه الجامع بين قوله تعالى :
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ النحل : 32 ] وبين قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول اللّه قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » ؟ .
( فالجواب ) : هذا من تعليق الأسباب على مسبباتها ومعلوم أن الكل من اللّه تعالى فمن نظر إلى توقف دخول الجنة على العمل قال : إنه دخل الجنة بعمله ومن نظر إلى خالق السبب قال : إنه دخل الجنة بفضل اللّه ورحمته . ونقل الشيخ الكامل الراسخ محيي الدين بن العربي في الباب التاسع والثمانين والمائتين من « الفتوحات » من الشيخ أبي مدين إمام الجماعة رضي اللّه عنه أنه كان يقول : يدخل السعداء الجنة بفضل اللّه ويدخل الأشقياء النار بعدل اللّه وكل أحد ينزل في داره بالأعمال ويخلد فيها بالنيات انتهى ، قال الشيخ محيي الدين وهو كلام صحيح وكشف مليح خبر عليه حشمة وأدب ووقار انتهى واللّه أعلم .
( خاتمة ) : إذا سجد أهل الأعراف السجدة التي يؤمرون بها يوم القيامة رجحت ميزانهم وسعدوا ودخلوا الجنة ، قال الشيخ محيي الدين : وهذه السجدة هي آخر ما يبقى من حكم
شرح
للإحاطة والشمول . قال : ويكون عذابه في النار تارة بالزمهرير المضاد لنشأته ، وتارة بالنار .
قال : ونظير ذلك الجسم الحساس يكون حياته بخروج النفس ، فإذا منع بالشنق أو الخنق انعكس راجعا إلى القلب فأحرقه فمات ، وأهل النار من الجن هم الكفار لا غير لأنه ليس في الجن مشرك ولا معطل ولا منافق ولهذا قال اللّه تعالى :كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ[ الحشر : 16 ] الآية . فألحق اللّه تعالى الشيطان بالكفار ولم يلحقه بالمشركين ، وإن كان هو الذي يوسوس للإنس بالشرك حتى يشركوا ، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركا ، أما كفر المشرك فلعدوله عن أحدية الإله الحق ليسترها عن النظر في الأدلة والآيات وتعيينها في عيسى مثلا وأما شركه فباتخاذه مع اللّه إلها آخر ويلحق به من آمن ببعض وكفر ببعض وتأمل قوله تعالى :لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ[ المائدة : 72 ] ما قال : لقد أشرك لأنه لم يجعل مع اللّه إلها آخر انتهى ، فليحرر هذا المحل فإنه دقيق . قال : واعلم أن أهل النار يتزاورون لكن على حالة مخصوصة وهي أن لا يتزاور إلا أهل كل طبقة مع طبقته كالمحرور يزور المحرورين والمقرور يزور المقرورين فلا يزور مقرور محرورا وعكسه بخلاف أهل الجنة للإطلاق والسراح الذي لأهلها المشاكل للنعيم