بجميع ذلك . وأما خروج الدابة التي يقال لها الجساسة فقد ذكر الشيخ محيي الدين في الباب السابع والخمسين وثلاثمائة في قوله تعالى :
أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ
[ النمل : 82 ] ما نصه : اعلم أن هذه الدابة تخرج من أجناد وهي دابة كثيرة الشعر لا يعرف قبلها من دبرها فتنفخ في وجوه الناس شرقا وغربا برا وبحرا جنوبا وشمالا فيرتقم بنفخها في جبين كل شخص ما هو عليه في علم اللّه تعالى من إيمان وكفر فيقول من سمته مؤمنا لمن سمته كافرا يا كافر أعطني كذا وكذا يغضب من ذلك الاسم لعلمه بأنه مكتوب في جبينه كتابة لا يمكنه إزالتها فيقول الكافر للمؤمن نعم أو لا في قضاء ما طلب منه فليس كلامها المنسوب إليها في العموم سوى ما وسمت به الوجوه بنفخها وإن كان لها كلام مع أنه يجالسها في سائر أصحاب اللسان فهي تكلمه بلسانه عربيا كان أو عجميا على اختلاف اللغات . وقد ورد حديثها في « صحيح مسلم » في حديث الدجال حيث دلت تميما الداري عليه وقالت له إنه إلى حديثك بالأشواق . وقال الشيخ : وهي الآن في جزيرة من البحر الذي يلي جهة الشمال وهي الجزيرة التي فيها الدجال قال وإنما سمى اللّه تعالى رقمها في وجوه الناس كلاما لأنه أفاد ما أفاده الكلام ألا ترى العاقل من أهل النظر إذا أراد أن يوصل إليك ما في نفسه لم يقتصر في ذلك التوصيل على العبارة بنظم حروف ولا بد فإن غرضه منك إنما هو إعلامك بالأمر الذي في نفسه فوقتا بالعبارة اللفظية المسماة في العرف قولا وكلاما ووقتا بالإشارة بيد أو رأس أو بما كان ووقتا بكتابة ورقوم ووقتا بما يريد الحق إفهامك به فيوجد فيك أثرا تعرف منه ما في نفسه ويسمى هذا كلاما فصح أنّ رقم الدابة يطلق عليه كلام واللّه أعلم . وأطال في ذلك في الباب السابع والخمسين وثلاثمائة بذكر فوائد عظيمة فراجعها . وأما رفع القرآن فروى البيهقي في « الشعب » عن ابن مسعود قال :
اقرءوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع ، قالوا هذه المصاحف ترفع ، فكيف بما في صدور الناس ؟ قال يغزى عليهم ليلا فيرفع في صدورهم فيصبحون فيقولون لكنا كنا نعلم شيئا ثم يعقون في الشعر . قال القرطبي : وهذا إنما يكون بعد موت عيسى عليه السلام
شرح
ما وهبك فإنه لو وهبك كل ما دخل في الوجود لكان قليلا بالنظر إلى ما دخل في خزائن الجود فإياك والزهد في المواهب فإنه سوء أدب مع الواهب فإنه ما وهبك إلا ما خلق لك . وقال : لما علم الأكابر أن الأمور كلها في يديه اعتمدوا منه عليه فعلموا أن الحق للّه وضل عنهم ما كانوا يفترون ولو ارتفعت الحاجات ، وزالت الفاقات لبطلت الحكمة ، وتراكمت الظلمة ولاحت الأسرار وزال كل شيء عنده بمقدار فذهب الاعتبار وهذا لا يرتفع فلا بد من الاعتماد في العباد لأن العبودية تطلب بذاتها الربوبية حقيقة وخليقة . وقال : ما حجب الرجال إلا وجود الأمثال ولهذا نفى الحق المثلية عن نفسه تنزيها لقدسه وكل ما تصورته أو مثلته أو خيلته فهو هالك واللّه تعالى بخلاف ذلك هذا عقد الجماعة إلى قيام الساعة . وقال : كيف يصح المزيد بالتحميد والتمجيد واللّه تعالى قد أعطى كل شيء خلقه ووفاه حقه فعين الشكر هو عين النعم والناس في غفلة معرضون وأكثرهم لا يشكرون .