الدماء ، وكان قصده أن هؤلاء الذاكرين يقولون في أنفسهم : إن تخليصنا هؤلاء أفضل مما نحن فيه ، لأنه خير متعدي النفع فتركوا مجلس الذكر وجاءوا يخلصون بينهم ، فوقع العياق فيهم بالضرب فاشتغلوا بهم عن الذكر وعن غيره ففرح بذلك إبليس ، وكان جلّ قصده إبطال مجلس الذكر لا غير ، فلا يليق التصدر لإزالة المنكرات ، إلا للأشياخ الذين لهم حال يحميهم من أهل المنكر ومن إبليس .
وكان يقول : إن كان ولا بد للمريد من إزالة المنكر فليتوجه إلى اللّه تعالى بقلبه ويزيل ذلك المنكر الذي رآه ، إما يمنع الزاني من الزنا ، أو يمنع الشارب من شرب الخمر ، ونحو ذلك ، ولا ينسب إلى ساكت قول . هكذا كان صورة تغيير المريدين الصادقين المنكر في قديم الزمان وقد خالف قوم فغيروا بيدهم أو لسانهم فسحبوهم لبيت الوالي وضربوهم وحبسوهم فازداد المنكر منكرا .
وقد كان سيدي إبراهيم المتبولي رحمه اللّه يقول : تغيير المنكر باليد للولاة ومن قاربهم ، وتغييره بالقول للعلماء العاملين ، وتغييره بالقلب لأرباب القول .
وكان رضي اللّه عنه يقول : من شرط المريد الصادق أن يرى نفسه دائما في مقام الطفولية ، ليرضع من ثدي المربّي ، فإن من كبر استحق الفطام ، ومنعوه الرضاع .
وكان كثيرا ما يقول لمن يراه متكبرا عن سماع النصح : يا ولدي لا تكبر تفطم .
وكان يقول : لا يجري ماء الإيمان في قلب مريد إلا إن نظّف قلبه من محبة الدنيا وشهواتها .
وكان يقول : من سلك من المريدين بالرياضة على طريق أصحاب علم الحرف مقت وانكشف حاله ، وذهبت دنياه وآخرته ، لأنه استعمل أسماء اللّه تعالى في طلب أشياء خسيسة ، من مال أو جاه .
وكان يقول : كل مريد أكل من طعام مكاس ، أو جندي ، أو قاض يأخذ الرشوة في الأحكام ، أو مباشر يتهور في كسبه ، أو شيخ عرب ، أو كاشف ، أو والي ، أو غيرهم من سائر المتهورين في مكاسبهم فقد تورّع من فتحه في الطريق .
وقد أكل بعض المريدين لقمة من طعام قاض ثم تذكر فترك الأكل فأظلم قلبه ثلاثين سنة ، ثم قيل له : بعد مجاهدة ثلاثين سنة الآن قد رجعت إلى حالتك التي كانت قبل أن تأكل من طعام القاضي المرتشي ! وفي هذا القدر كفاية .
فاعرض يا أخي جميع ما ذكرته لك في هذا الباب من صفات المريدين على نفسك فإن رأيتها متخلقة به فأنت مريد صادق ، وإلا فكف عن الدعوى ، والحمد للّه رب العالمين .
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية — صفحة 101
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص١٠١