فلا تشتغل بها عنه فتكفر النعمة ، بل اشتغل به فإنه ابتلاك كما قال تعالى :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] .
فالحاصل أن الطريق يقتضى عدم الالتفات إلى الكرامة بالكلية ، والإقبال على المطلوب من كل مكلف وهو الاستقامة ، قال تعالى :
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ
[ فصلت : 6 ] .
وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا
الآية [ فصلت : 30 ] .
وفي الآية الأخرى :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الأحقاف : 14 ] .
وقال تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ
الآية [ الشورى : 13 ] ، ثم قال :
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[ الشورى : 15 ] .
وقال سبحانه :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ
[ هود : 112 ] .
وقد نقل عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « شيبتنى سورة هود » « 1 » قيل : لأنه أمر فيها بالاستقامة ، ولما كانت الاستقامة أعلى المراتب أمرنا مولانا سبحانه ، وأوجب علينا أن ندعو بها في اليوم سبع عشرة مرة في الصلاة في قوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 6 ] ، ولا يجوز صراط القيامة كالبرق إلا من تجرع الغصيص في تكليف النفس الاستقامة في الدنيا ، منّ اللّه علينا بهداية صراطه المستقيم ، وثبتنا عليها إلى أن نلقاه ، وهو راض عنا إنه رحيم كريم .
قال صلى اللّه عليه وسلم لبعض أصحابه : « قل آمنت باللّه ثم استقم » « 2 » ولم يأمر أحدا منهم بطلب الكرامة ، وإنما ظهرت لبعض أصحابه كأبي بكر وعمر وغيرهما ، رضى اللّه عنهم بغير طلب ولا سؤال ، فالمشتغل بطلبها مشتغل بالمحال حائد عن الكتاب
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ( 17 / 287 ) ، والترمذي في الشمائل ( 41 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 4 / 350 ) عن أبي جحيفة . وإسناده ضعيف ، وصحيح من أخرى .
( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه ( 38 ) ، وأحمد في مسنده ( 3 / 413 ) ، والطبراني في المعجم الكبير ( 7 / 79 ) ، والخطيب في تاريخ بغداد ( 2 / 370 ) عن سفيان بن عبد اللّه .