ذلك ، فلم يشعر إلا ورسول السلطان قد دهم بطلبهم بغتة ، قد هجم ، فقدم الأول تحفه وهداياه ، وأفاض عليه السلطان مواهبه وعطاياه ، وأعطى الثاني عطاء يليق بعمله ، وسأل الثالث عن فتوره وكسله ، فأجاب : بأنه تشاغل بضبط ما قدمه ذلك السابق فغضب عليه ، وقال له : أنت في دعوى طاعتك لي لست بصادق ، إذ لم تمتثل أمرى ولم تعرف قدرى ، أتراه يسلم من هذا السلطان مع شدة سطوته ، أو يأمر بسجنه وضربه إن عفى عن رمى رقبته .
فقس على المثال يزول عنك وهمك والجدال ، وارجع إلى الحق ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ، فإن لم تكن من السابقين السابقين فاجتهد لتكون من أصحاب اليمين ، واحذر أن تغفل فتكون من المكذبين الضالين وأيضا ينشأ من ضبط الكرامات ومطالعتها مفسدة أخرى شاهدناها وذلك أن بعض الجهال بالطريق النبوي يتعبد ويجتهد في الذكر والصوم والصلاة والتقشف ، طلبا بذلك الكرامة ، من إجابة الدعاء ، والطيران في الهواء ، والمشي على الماء وغير ذلك ، وهذا من تلبيس الشيطان لعنه اللّه تعالى على من هذا حاله ، وكثير من الفقراء هذا سبيله ، فيفنى المسكين عمره في عبادة الهوى .
قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
[ الجاثية : 23 ] .
وقال تعالى :
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ
[ القصص : 50 ] .
والاستجابة للرسول صلى اللّه عليه وسلم هو امتثال ما أتانا به عن ربه سبحانه وتعالى ، وهو عبادة اللّه وحده ، لا لغرض من الأغراض ولاحظ من الحظوظ .
قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » [ الذاريات : 56 ] .
وقال تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا
« 2 »
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البينة : 5 ] .
وقال تعالى :
وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
[ الكهف : 110 ] .
وقال تعالى :
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي
[ الزمر : 14 ] .
هامش
( 1 ) بالأصل : ( ليعبدونى ) ، والصواب ما أثبتناه .
( 2 ) بالأصل : ( ليعبد ) ، والصواب ما أثبتناه .