تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نسمات الأسحار — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
فيخشى على عبد الكرامات أن يحبط عمله ، كما يحبط عمل المرائي ويسحب إلى النار على وجهه كما يسحب ، لأنهما لم يخلصا في عبادتهما . قال تعالى :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً
[ آل عمران : 64 ] . فتأمل قوله ( شيئا ) فمن أشرك بعبادته شيئا مخالفا للأمر ، ومخالف الأمر عاص ، والعاص مستحق للنار لقوله تعالى :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ
[ الجن : 23 ] عافانا اللّه منها . فاعلم أن ما تسمع في الكتب من كرامات الأولياء نفعنا اللّه تعالى بهم إنما حصلت لهم بمحض العناية منه سبحانه وتعالى كما قال تعالى :
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ *
[ البقرة : 105 ، آل عمران : 74 ] . وقال :
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
[ المائدة : 54 ] . وإياك أن تظن أنهم عبدوا واجتهدوا لأجلها ، فتكون ظالما لهم جاهلا بحقوقهم حاشاهم من ذلك ، وإنما كانت عبادتهم للّه وحده ، لا لشئ ، ومن كان للّه كانت الأشياء كلها له ، واللّه سبحانه يقيم عباده فيما يريد ، لا يسأل عما يفعل ، هو أعلم بكم ، فمن خلقه منهم من أقامه عالما ، ومنهم حاكما ، ومنهم أميرا ، ومنهم فقيرا ، ومنهم نبيا ، ومنهم وليا ، ومنهم في الكرامة ، ومنهم في الاستقامة ، ومنهم في التصريف ومنهم في الغفلة والتسويف ، كل ذلك بسابق علمه وإنفاذ حكمه ،
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
[ هود : 118 ، 119 ] . فسبحانه ما أعظم شأنه ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت ، على أن أهل المعرفة باللّه تعالى يرون الالتفات إلى الكرامة حجابا عنه ، لأنها من الأغيار ، والمقصود هو لا غيره ، ألا ترى كيف أمر بالفرار إليه فقال سبحانه :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
[ الذاريات : 50 ] ، وقال لرسوله صلى اللّه عليه وسلم :
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ .
وقال :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ
[ يوسف : 39 ] . وقال في آية آخرى :
وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى
[ طه : 73 ] .