أما العقل فقد علمنا أن الفلاسفة أعظم الناس توغلا في بحار العقل الفكري مع هذا أقروا به ، فقالوا : النفس مجردة ، وإذا فارقت عالم المحسوسات لمفارقتها بالرياضة عالم المألوفات ، انسلخت عن هيكلها ، وصارت بمعزل عنه منحازة عنه ذوقا وجدانيا ، وحالا شهوديا ، كما أنها منحازة عنه تعينا خارجيا في نفس الأمر ؛ فيطابق ذوقها ما هو الواقع عليه ، ويصير نسبتها إلى سائر الأجساد والأجسام كنسبتها إلى بدنها ، ومن هنا أثبت الفلاسفة خوارق العادات ، ومن جملتها الكاشفات ، وسببها أن المبادئ العالمية مرتسمة بحقائق الأشياء ، فإذا انسلخت النفس قابلتها بذاتها ، فانطبع فيها بقدر مناسبتها شيء مما هو فيها ، وهذا هو أمر الكشف .
قال السيد في « حاشية المطالع » ما حاصله : إن السعادة معرفة الصانع بما له ، والطريق إلى هذه المعرفة بوجهين :
أحدهما : طريقة النظر والاستدلال .
ثانيهما : طريقة الرياضة .
وسالكو الأولى : إن التزموا ملة فهم المتكلمون وإلّا فهم الحكماء المشاءون .
وسالكو الثانية : إن وافقوا في رياضتهم أحكام الشريعة فهم الصوفيون المتشرعون ، وإلا فهم الحكماء الإشراقيون ، انتهى .
وقال ابن سينا في « الإشارات » « 1 » : إذا بلغك أن عارفا حدّث عن غيب ؛ فأصاب متقدّما ببشرى أو نذير فصدق ، فلا يتعسرن عليك الإيمان به ، فإن لذلك في مذاهب الطبيعة أسبابا معلومة ، ثم أخذ يبين ذلك في ستة عشر فصلا ، فذكر أمر الرؤيا ، وأنها
هامش
( 1 ) هو الإشارات والتنبيهات ( طبع بإيران 3 أجزاء ) ، وقد شرحه الطوسي ، والآمدي .