هو مشهدكم ؟ إن العالم باق ، وحجبتم أنتم عن شهوده ؛ لعظيم ما يتجلّى لقلوبكم ، فقلت له :
بل العالم باق في نفس الأمر ، ولم يزل ؛ وإنما حجبنا عن شهوده ، فقال : قد نقص علمكم باللّه في ذلك المشهد بقدر ما نقص في شهودكم العالم ، فإنه كله آيات اللّه ، فأفادني عليه السّلام علما لم يكن عندي ، انتهى « 1 » .
هامش
( 1 ) قال المصنف في السيوف الحداد : وكان معروف الكرخي يقول : « لي منذ ثلاثين سنة في حضرة اللّه تعالى ما خرجت منها » .
وكذلك سيدي إبراهيم المتبولي رضي اللّه عنه لكنه قال : « لي سبع عشرة سنة في حضرة اللّه تعالى ما خرجت » .
ومرادهما ما عدا الأوقات التي سامح الخلق فيها ، وإلى هذه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم :
« لي وقت لا يسعني فيه غير ربي » ، فنكر الوقت ، ويصدق بالطويل والقصير .
وقد كان سهل بن عبد اللّه التستري يقول : « لي منذ ثلاثين سنة أكلم اللّه تعالى والناس يظنون أني أكلمهم » .
فإذا كان هذا حال بعض أفراد من خواص أمته صلى اللّه عليه وسلم فكيف بصاحب المقام الأكبر وسيد حضرة اللّه تعالى على الإطلاق .
وقد نقل الجلال السيوطي رحمه اللّه تعالى في الخصائص أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان مأمورا بشهود الحق تعالى مع الخلق حال المخاطبة ، فلا يحجبه الحق عن الخلق ولا عكسه .
فتأمّل ما ذكرته لك فإنه من باب المعرفة ، ولم أر أحدا من إخواننا تخلّق بالحذر من إبليس كلما ترقّى في المقامات إلا النادر ، فإن أحدهم بمجرد ما يصير اسمه سيدي الشيخ يظن أنه إبليس فارقه ، وما بقي له عليه سلطنة .
بل سمعت بعضهم يقول : نحن لا نعرف إبليس ، وما ثم إلا اللّه تعالى ، فيقال لهذا بتقدير صدقه أنه لا يشهد إلا اللّه تعالى ، فهل زال إبليس من الوجود أم هو باق وأنت حجبت عن أحواله لنقصك ؟
فلا يسعه إلا أن يقول : هو موجود ، وإلا كفر بالقرآن ، فيقال له : لو حققت النظر لوجدته لعنه اللّه يرقى مع أصحاب المقامات ولا ينقطع ، فبعد أن كان يوسوس لهم بالمعاصي الظاهرة صار يوسوس لهم بالمعاصي الخفية . -