وعدم غشهم لأنّهم عيال اللّه وأحبهم أنصحهم وأنفعهم لعياله ، فلا يطلع على خلل منهم إلا سده ، ولا على حاجة لهم إلا ساعدهم في قضائها ، ( ولا مع النفس إلا بالمخالفة ) لها لأنّها مائلة بطبعها إلى كل لذيذ ونافرة بطبعها عن كل كريه ، فحق صاحبها في صحبته معها أن يخالفها ويردها عن هواها حتى يتبين لها الحق فتتبعه والباطل فتجتنبه ، ( ولا مع الشيطان إلا بالعداوة ) له قال تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
[ فاطر : 6 ] وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما من أحد إلا وله شيطان فقيل له : حتى أنت يا رسول اللّه ؟ قال : حتى أنا إلا أنّ اللّه أعانني عليه فأسلم » « 1 » ( وقال رجل لذي النون مع من أصحب فقال : مع من إذا مرضت عادك ، وإذا أذنبت تاب عليك ) فلا تصحب إلا اللّه فإنّه الممرض المعافي المانّ بالتوبة على من عصاه ، قال تعالى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
[ التوبة : 118 ] أو من يعتني بأمرك ويعينك على ما ينفعك فإنّ المريض عاجز أحب شيء إليه من يباشره ويقوم بأمره ، وكذا إذا وقع في معصية رجع صاحبه إلى اللّه فيه وتضرع إليه ، وسأله أن يتوب عليه ، وتسبب له بدعاء الصالحين رجاء استجابة دعائهم له . ( سمعت الأستاذ أبا عليّ رحمه اللّه يقول : الشجر إذا نبت بنفسه ولم يستنبته أحد يورق ، ولكنه لا يثمر كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يتخرج به ) ويتأدّب بآدابه ليخرج بذلك عن عوائد نفسه ( لا يجيء منه شيء ) نافع فلا يقتدى به وإن اجتهد بنفسه في العبادة والعلم ، فإنّ النفوس لها خفايا باطنة ، وعلل كامنة لا تتبين مع محبة العبد لها وإنما يتبينها من هو خارج عنها كاشف لها بالعلم مبالغ في نصحها ، ( و ) لذلك ( كان
شرح
عظيم وحقير ، ولا بين عالم وجاهل على حسب الاستطاعة . ( قوله : ولا على حاجة لهم الخ ) أي ولا على مخالفة للشريعة إلا ردهم عنها وجوبا أو ندبا بشرط أمن الفتنة في الرد .
( قوله : ولا مع النفس إلا بالمخالفة ) أي ولذلك قال الجنيد : نفعنا اللّه بعلومه إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواها . ( قوله : ولا مع الشيطان إلا بالعداوة له ) أي فيكون دائما على خلافه فيما يوسوس له .
( قوله : فقال : مع من إذا مرضت الخ ) مراده الحث على الرجوع إلى اللّه بذكر بعض إحسانه على العبيد . ( قوله : أو من يعتني بأمرك الخ ) فيه حمل على التخلق مع الأمثال غير أنّ الأول أولى . ( قوله : ولكنه لا يثمر ) أي فالمقصود الأعظم لا يكون ، فكذلك المريد بدون شيخ . ( قوله : مع محبة العبد لها ) أي المحبة الطبيعية .
هامش
( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 1 / 472 ، 7 / 270 ) والخطابي في ( إصلاح خطأ المحدثين 28 ) .