الدقيق كان هناك فعجنه وأوقد النار وطرح الملة ) بفتح الميم أي الرماد الحار على العجين ووضع خده على التراب ينفخ في النار لينضج العجين ( فانتبهوا وهو ينفخ في النار واضعا محاسنه على التراب فقالوا له في ذلك : ) أي ما سببه ( فقال ) لهم ( لعلكم لم تجدوا فطورا فنمتم ) جياعا ( فأحببت أن تستيقظوا والملة قد أدركت ) نضج العجين ( فقال بعضهم لبعض : انظروا إيش الذي عملنا ) معه ( وما الذي به يعاملنا ) فعرفوا فضله عليهم فيما فعلوه وفعل بهم ، حيث كان يتعب بالنهار لهم ويتأوّل لهم التأويل الحسن في فعلهم ، ثم يسعى في إدخال الراحة عليهم ، وفي ذلك دلالة على كمال الصحبة الحسنة .
( وقيل : كان إبراهيم بن أدهم إذا صحبه ) أي رغب في صحبته ( أحد شارطه ) اختبارا له ( على ثلاثة أشياء ) الأوّل والثاني ( أن تكون الخدمة والأذان له ) طلبا لزيادة الفضيلة مع التواضع ، فطلب الخدمة والأذان لا الإمارة والسيادة لما ورد أنّ « سيد القوم خادمهم والمؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة » لعلوّ ذكر اللّه بأفواههم ودعائهم بها عباد اللّه لطاعته ( و ) الثالث ( أن تكون يده في جميع ما يفتح اللّه عليهم ) به ( من الدنيا كيدهم ) في الانتفاع به والتصرف فيه لكنه المتولي أمره بالخدمة ليكمل كونه خادما ، ولأنّ ردّ الأمر إلى واحد منهم يمنع من التشاجر والاختلاف بينهم .
( فقال له يوما رجل من أصحابه ) لما سمع مشارطته : ( أنا لا أقدر على هذا ) فلا أقدر على صحبتك ( فقال ) له : ( أعجبني صدقك ) وخلصت من عهدة الصحبة ( وقال يوسف بن الحسين : قلت لذي النون ) المصريّ ( مع من أصحب فقال : مع من لا تكتمه شيئا يعلمه اللّه تعالى منك ) فلا ينبغي لك أن تصحب أحدا حتى تمتحنه زمانا طويلا ، وتعرف أخلاقه لا سيما في الأسفار فمتى لم تتثبت فيمن تريد أن تصحبه ظهر لك غالبا من أخلاقه ما يؤدّي إلى مشاجرته ومقاطعته فترك ذلك أولى لك قبل
شرح
الذي اعتاده . ( قوله طلبا لزيادة الفضيلة الخ ) إن قلت : فيه إيثار النفس مع خبر « حب لأخيك ما تحب لنفسك » قلت : سهله ظاهر الحال من الامتهان على أنّ الإيثار إنما يطلب في المباحات لا في القربات .
( قوله : أطول أعناقا الخ ) يحتمل أنّ الكلام على ظاهره من طول الأعناق حقيقة ، ويحتمل أنّه كناية عن قوّة الرجاء منهم بسبب فضيلة الآذان واللّه أعلم .
( قوله : فقال : مع من لا تكتمه شيئا ) أي مما يصح إعلامه به من قبل علم الشريعة وإلا فلا يصح الإعلام به ونهاية الغرض الحث على التثبت ، والبحث عن أخلاق من يراد للصحبة . ( قوله : حتى تمتحنه ) أي ويشهد له خبر « أخبر نقله » . ( قوله : إن كنت ممن