سمعت عليّ بن الحسين بن محمد بن أحمد بالبصرة يقول : سمعت أبي يقول :
خدمت سهل بن عبد اللّه سنين كثيرة فما رأيته تغير عند سماع شيء كان يسمعه من الذكر والقرآن وغيره ، فلما كان في آخر عمره قرىء بين يديه ) قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ
[ الحديد : 15 ] رأيته تغير وارتعد وكاد يسقط على الأرض ( فلما رجع إلى حال صحوه مسألته عن ) سبب ( ذلك فقال : يا حبيبي ) لما كبرنا واستشعرنا قرب الأجل والوقوف بين يدي اللّه ، وأنّه لا يؤخذ فدية ممن عليه حق فدية ( ضعفنا ) عن كتم أحوالنا فظهرت . ( وحكى ابن سالم قال : ) الأولى فقال : ( رأيته ) أي سهل بن عبد اللّه ( مرة أخرى قرىء بين يديه ) قوله تعالى : (
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ
[ الفرقان : 26 ] فتغير ) حاله ( وكاد يسقط فقلت له في ذلك : ) أي ما سببه ( فقال :
ضعفت ) عن كتم حالي ( وهذه صفة الأكابر لا يرد عليه ) أي على الكبير ( وارد وإن كان ) الكبير ( قويا إلا هو ) أي الوارد ( أقوى منه ) أي الكبير وهذا كالذي قبله ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلميّ رحمه اللّه يقول : دخلت على أبي عثمان المغربي وواحد يستقي ) الماء ( من البئر على بكرة فقال ) لي أبو عثمان : ( يا أبا عبد الرحمن تدري إيش تقول البكرة ؟ فقلت ) له : ( لا فقال ) لي : ( تقول : اللّه اللّه ) بحسب ما وقع
شرح
بعد أن كوشف بالجمال الأسمى أقسم على اللّه باسم ذاته أن يرده إلى سني عاداته حيث لا يرى لها خلفا ولا أعظم منها شرفا ، ولهذا قيل : من وجد اللّه ما فقد شيئا ، ومن فقد اللّه ما وجد شيئا واللّه أعلم .
( قوله : فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ) أي يوم القيامة لا يقبل من أحد افتداء بل كل واحد منوط بما جنى في حال حياته مؤاخذ به مسؤول عنه ، فلا يغني أحد عن أحد شيئا .
( قوله : فقال : يا حبيبي لما كبرنا الخ ) أي لأنّهم في حالة الشباب يؤملون سعة مدّة العيش والتوفيق فيها لمحاب الإله ، فإذا قرب الوقت على جاري عادة اللّه في خلقه يزيد خوفهم منه تعالى ، واللّه أعلم . ( قوله : الملك يومئذ الحق للرحمن ) أي السلطنة القاهرة والاستيلاء الكليّ العام الثابت صورة ومعنى ظاهرا وباطنا بحيث لا زوال له أصلا ثابت للرحمن يومئذ ، فالملك مبتدأ والحق صفته ، وللرحمن خبره ، ويومئذ ظرف لثبوت الخبر للمبتدأ ، أو فائدة التقييد أنّ ثبوت الملك المذكور له تعالى خاصة يومئذ ، وأما فيما عداه من أيام الدنيا فيكون لغيره أيضا تصرف صوري في الجملة فالجملة مسوقة لبيان أحوال هذا اليوم وأهواله وإيراده تعالى بعنوان الرحمانية للإيذان بأنّ اتصافه تعالى بغاية الرحمة لا يهوّن الخطب على الكفرة لعدم استحقاقهم للرحمة كما في قوله تعالى :يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ[ الانفطار : 6 ] واللّه أعلم . ( قوله : فتغير حاله ) أي حيث تنبه لمقام أحدية الحق تعالى وانفراده بالحكم في ملكه . ( قوله : إلا وهو أقوى منه ) أي ويشهد لذلك