حزين حتى تبكي القوم ) باستماعهم لها بناء على أنّ استماع صوت المرأة ليس بحرام مع أنّها إنما كانت تورده على وجه الغناء المطرب ( وسئل أبو سليمان الدارانيّ عن السماع ) أهو الميل إلى الصوت الحسن أو غيره ( فقال : كل قلب يريد الصوت الحسن فهو ضعيف ) لأنّه موقوف مع الأصوات دون المعاني وإلا لتلقف ذلك من كل قائل لصحة قلبه وكمال فهمه ، فقلب من لم يسمع إلا بواسطة الصوت الحسن ضعيف ( يداوى كما يداوي الصبي إذا أريد أن ينام ، ثم قال أبو سليمان ) أيضا : ( إنّ الصوت الحسن لا يدخل في القلب شيئا إنما يحرّك من القلب ما فيه ، قال ابن أبي الحواري : صدق واللّه أبو سليمان ) في ذلك ( وقال الجريريّ : كونوا ربانيين أي ) مشغولين بالرب تعالى بأن تكونوا ( سامعين من اللّه تعالى قائلين باللّه تعالى ) لأنّ من كملت معرفته باللّه كان سامعا للّه وباللّه ، وناطقا باللّه ، والربانيون هم العلماء العباد ، والأحبار هم العلماء خاصة ، ( وسئل بعضهم عن السماع فقال : ) هو ( بروق تلمع ثم تخمد وأنوار تبدو ) أي تظهر للقلب ( ثم تخفى ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها طرفة عين ) لأنّه يتنعم بها ( ثم أنشأ يقول :
خطرة في السر منه خطرت * خطرة البرق ابتدى ثم اضمحل )
شرح
صوتها كما هو الموضوع . ( قوله : وإلا لتلتقف ذلك الخ ) أي ولذلك قيل : وكل ناطقة في الكون تطربني ، فافهم . ( قوله : يداوي ) أي يعالجه أستاذه حتى ينقله عن هذا الخلق السيء . ( قوله : لا يدخل في القلب شيئا ) أي لا يجدد شيئا في القلب أي لأنّ ذلك معلوم من قلب الخلي ، فهو حينئذ إنما يحرك ما في القلوب ولذلك قيل شعرا :الراح كالريح إن مرت على عطر * تذكو وتخبث إن مرت على الجيف( قوله : أي مشغولين بالرب الخ ) أي فمعنى رباني أنّه ممتلئ القلب بالحق تعالى ، وما له عليه من الطاعة ، وإلا فكل الخلق ربانيون بمعنى عبيد الرب تعالى . ( قوله : سامعين من اللّه ) أي من أوامره ونواهيه لا من دواعي النفس والشيطان ، وقوله : قائلين باللّه أي بتوحيده وصدق رسله . ( قوله : هم العلماء العباد ) أي المتبتلون للعبادة المكثرون منها ، وقوله :
والأحبار هم العلماء خاصة أي القائمون بأعباء التكاليف وإن كانوا غير متبتلين .
( قوله : فقال : هو بروق تلمع الخ ) أشار رضي اللّه تعالى عنه إلى أنّ ما يتحرك في قلب العبد المخلص عند سماعه من إشارات الحق وإمارات الصدق لطائف واردات تطرق القلب ، ثم تزول سريعا كلمعان البرق وشرائف أحوال تظهر للقلب بواسطة نور الإلهام ، ثم تخفى ، وقوله : ما أحلاها الخ هذه أماني لدوام استغراقه فيما يرد عليه وقت السماع ليدوم له التنعم به غير أنّ حكمة الباري اقتضت سرعة زوال تلك الواردات ليدوم العبد على مشاق المجاهدات .
( قوله : ثم أنشأ يقول الخ ) هو بمعنى ما قبله ودليل عليه . ( قوله : وقيل : السماع فيه