يقرأ ) فيه ( وإذا هو شيخ بهي حسن الوجه واللحية ، فدنوت منه وسلمت عليه فردّ عليّ السلام وقال ) لي : ( من أين ) جئت ( فقلت : من بغداد قصدت زيارة الشيخ فقال ) لي :
مكاشفة وامتحانا فيما وقع لي من تردّدي في زيارته بسبب ما قيل لي : إنه زنديق ، ومن قولي بعده فلا أقل من زيارته ثم زيارتي له بهذه النية ، ورؤيتي له على صورة حسنة وهو يقرأ في المصحف ( لو أنّ في بعض البلدان ) التي بيننا وبين بغداد ( قال لك إنسان : أقم عندي حتى أشتري لك دارا أو جارية أو كان يمنعك ) ذلك ( عن زيارتي فقلت ) له : ( يا سيدي ما امتحنني اللّه بشيء من ذلك ولو كان ) قد امتحنني ( لا أدري كيف كنت أكون ) يعني ما كنت أدري ما يكون ، ففهم من كلامه أنّه عاقل عالم بقدر اللّه صادق في زيارته ( فقال ) لي : هل ( تحسن أن تقول شيئا ) من الشعر المناسب للحال ؟ ( فقلت ) له : ( نعم وقلت : رأيتك ) يا عبدي ( تبني دائبا ) أي مجدا ( في قطيعتي . ولو كنت ) أنت ( ذا حزم لهدّمت ما تبني ) أشار به إلى أنّ العبد يشتغل في أكثر عمره بغير ربه ، وما خلق له ( فأطبق الشيخ المصحف ) لما سمع منه هذا البيت ( ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه حتى رحمته من كثرة بكائه ثم ) أراد أن يعرفني أيضا كمال حاله ، وأنّ زيارته لم تخب حيث ( قال لي : يا بني تلوم أهل الري على
شرح
لم يتغير حاله ، وهذا هو الأولى بمثله وإن أشار الشارح إلى خلافه .
( قوله : لو أنّ في بعض البلدان الخ ) محصله امتحانه هل يؤثر العاجل من الحظوظ أو الآجل منها . ( قوله : ففهم من كلامه الخ ) أي لأنّه لم يدع مقاما ولا حالا بل فوّض علم ما يحصل له عند الامتحان إلى الحق تعالى . ( قوله : رأيتك ) أي علمتك تبني أي تؤسس أفعالك دائبا من الدأب وهو الجد في قطيعتي أي مقاطعتي ومخالفة أمري ولو كنت ذا حرم أي صاحب رأي سديد لهدّمت ما تبني بطاعة أمري ومخالفة هواك .
( قوله : وهذا كله الخ ) إن قلت : كيف يبكي عند سماع الشعر دون سماع القرآن ، قلت : ذلك لجلالة القرآن وبعد مناسبة العبد منه بخلاف الشعر كما تقدّم . ( قوله : لمدح العوام ) أي ولا غير العوام بعدا عن طرق المهلكة بالرجوع إلى غيره تعالى . ( قوله : في سبيل اللّه الخ ) محصله أنّه يتفهم من إشارته الرائقة وعبارته الفائقة أنّ الحق تعالى يحب كمال العبد ويريد له الإحسان ، والعبد تارة يقبل على مولاه وعلى عبادته ، وتارة يحجم ، وذلك يتكرّر منه كل وقت ، وبمثل هذه المعاملات لا تعامل العظماء ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه . ( قوله : فقال لها يا جارية الخ ) أي قال ذلك لما ظهر له من إشارة اللفظ وعبارة الوعظ حيث كان مثل هذا حاله وعلى هذا المنوال أعماله . ( قوله : وشهق شهقة ) أي لما أثر فيه من عتاب الأحباب وشريف التنبيه برقيق الخطاب ، وهكذا السعداء تحفهم الألطاف ، وتدركهم سوابق الإسعاف رضي اللّه تعالى عنهم وأرضاهم عنا بمنه وكرمه .