( قيل : من قنع استراح من الشغل ) بغير الطاعة ( واستطال على الكل ) بالعز والمروءة ، ( وقال الكتاني : من باع الحرص بالقناعة ظفر بالعز والمروءة ) لما مرّ . ( وقيل : من تبعت عيناه ما في أيدي الناس طال حزنه وهمه ) على امتيازهم عنه لأنّ المقادير لا تجري على وفق غرضه ( وأنشدوا ) في ذلك :
( وأحسن بالفتى من يوم عار * ينال به الغنى كرم وجوع )
أحسن مبتدأ خبره كرم وجوع ، والمعنى يوم يكون العبد فيه جائعا كريم النفس عن الحرص والشره أحسن من يوم يكون فيه ذا عار وذل لينال بذلك الغنى ( وقيل :
رأى رجل حكيما يأكل ما تساقط من البقل على رأس ماء فقال ) له : ( لو خدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذا ) البقل المرمي لأنّ فيه نقصا ومذلة في الدنيا عند أربابها ( فقال ) له : ( الحكيم وأنت لو قنعت بهذا ) الذي قنعت أنا به ( لم تحتج إلى خدمة السلطان ) التي فيها مذلة في الدنيا والآخرة عند العقلاء . ( وقيل : العقاب ) لما فيه من القوة على الطيران والعلو في الجوّ ( عزيز في مطاره ) أي طيرانه ، أو محل طيرانه ( لا يسمو ) أي يعلو ( إليه طرف صياد ) أي بصره ( ولا طمعه ) في أن يصيده ( فإذا طمع ) العقاب ( في جيفة علقت على حبالة ) أي شبكة يصاد بها ( نزل من مطاره ) إليها ( فتعلق في حباله ) أي شباكه فكذلك القنوع لا يزال عزيز النفس سالما من المذلة حتى يلوح له شيء من الدنيا ، فيطمع في نيلها ، فيزول عزه ويحل به ذله ، ولهذا لما دخل الحسن البصريّ مكة ورأى رجلا من أولاد فاطمة قد أسند ظهره إلى الكعبة ،
شرح
الكتاني : الخ ) هو قريب مما قبله . ( قوله : من تبعت عيناه الخ ) ذلك ترغيب في القناعة بتوضيح غوائل ضدها ، ويدل لذلك قوله جل شأنهوَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ[ الحجر : 88 ] الآية . ( قوله : وأحسن بالفتى الخ ) أحسن مبتدأ ، وقوله : كرم وجوع خبره وقوله : ينال به الغنى صفة ليوم عار ، وأنت خبير بأن أفعل التفضيل بحسب الظاهر فقط ، وإلا فلا حسن في الغنى مع العار . ( قوله : فقال له الحكيم الخ ) أي فقد أشار له بأن مذلة الدنيا فقط أخف من مذلة الدنيا والآخرة ، وهو كذلك بشاهد النقل والعقل .
( قوله : وقيل : العقاب الخ ) هذا المثال الغرض منه تحذير ذي الهمة من السقوط عنها ، فإنّ الحرمان بعد ذوق لذة الوصول من أقبح ما يلاقي الإنسان في الدنيا ، فالميل إلى الشيء الدنيء بعد الترفع إلى منازل العز موجب للإنحطاط في الدركات ، وربما كان سببا لدوام الإبعاد ، والعياذ باللّه تعالى ، فالدوام على علوّ الهمة يوجب دوام العز ، وانحطاطها يوجب حلول الذل ، فإياك وسقوط الهمة .
( قوله : ولهذا لما دخل الحسن الخ ) قد تقدم ذكر ذلك وأعاده لمناسبة المقام .