بوجود الدنيا ( وقويت بالعافية ) الدنيوية ( فنظرت ) بإشارته إلى جهة ( فإذا ) هو ( قد فتح عليه بشيء من الدنيا ) في ذلك دلالة على أنّهم يرون وجود الدنيا وسعتها نقمة ، وصرفها عنهم نعمة أخروية وهو حق ، لأنّ الغالب على الفقير أن يكون دائم الرجوع إلى اللّه سائلا حوائجه منه لاعتقاده انفراده بالأفعال ، والغالب على الغني الرجوع عندما يطرقه طارق إلى ما يملكه ، ويقدر على اكتسابه ، وكفى بذلك غفلة عن ربه ، فهذا الفقير كان دائم الشغل باللّه فرآه بعض المحبين فأراد أن يصله بما يعتان به على ما هو بصدده فوضع عنده شيئا ، وخرج عنه هاربا فتشوش حال الفقير فيما يصنعه بهذا المال ، وما الحيلة في خلاصه منه ، فلما دخل عليه هذا الشيخ المسجد ورأى عليه آثار المعرفة وسلوك طريق الجد قام وتعلق به كما تقرر ، فهذا كما قال قائلهم :
عضوا على الفقر بالنواجذ
( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت محمد بن محمد بن أحمد يقول : سمعت أبا بكر الوراق يقول ) لأصحابه : ( طوبى للفقير في الدنيا والآخرة فسألوه عنه ) أي سبب ذلك ( فقال : لا يطلب السلطان منه في الدنيا الخراج ولا ) يطلب ( الجبار ) تعالى منه ( في الآخرة الحساب ) هذا أقل فوائد الفقر وإلا فله فوائد عظام منها راحة القلب من المشغلات ووجود التلذذ بالمناجاة ، وسرعة مضيه إلى الجنة كما جاءت به الأخبار الواضحات .
شرح
نعمة ) أي بالنظر لما يترتب على ذلك من الفوائد الأخروية . ( قوله : وما الحيلة في خلاصه منه ) أي لأنّه يسأل عن ذلك يوم القيامة فيقال له : فيم صرفته كما يسأل عن جهة تحصيله وكسبه . ( قوله : طوبى للفقير ) قيل : إنّ طوبى اسم لجنة مخصوصة وقيل : لشجرة فيها ، والأقرب هنا الأول . ( قوله : منها راحة القلب الخ ) أقول : هي وإن كانت من أعظم الفوائد الدنيوية غير أنّها لا تضاهي فائدة عدم الحساب في الآخرة فضلا عن كونها أعظم منها .
( تم الجزء الثالث ، ويليه الجزء الرابع أوله باب التصوّف ) .