تبعه الجوارح بالإنكسار والتذلل ( و ) لهذا ( روي أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى رجلا يعبث في صلاته بلحيته فقال : « لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » وقيل شرط الخشوع ) أي الكامل بأن يحضر العبد قلبه ويستغرق ( في الصلاة أن لا يعرف ) المصلي ( من على يمينه ومن على شماله ) ومن على غيرهما ، ومن كمل حضور قلبه في صلاته ومناجاته لربه حسن منه أن يقول لمن معه في الصلاة : السلام عليكم لأنّه كان غائبا ثم قدم عليهم ، وإلا فمن هو حاضر ببدنه بين يدي اللّه وقلبه مغرق فيما يحبه ويهواه ، فلم يغب عن نفسه ، ولا عما معه فهو حاضر معهم ، فلا يحسن معه ذلك ( ويحتمل أن يقال : الخشوع إطراق السريرة بشرط الأدب بمشهد الحق تعالى ) والحضور معه ( أو يقال : الخشوع ذبول يرد على ) البدن ناشئا من ( القلب عند اطلاع الرب ، أو يقال الخشوع ذوبان القلب وإنخناسه عند سلطان الحقيقة ) أي كمال الحال ( أو يقال :
الخشوع مقدمات غلبات الهيبة ) من الحق ( أو يقال : الخشوع قشعريرة ترد على القلب
شرح
( قوله : لو خشع قلب هذا الخ ) أي لأنّ أسرار القلوب تبدو على صفحات الوجوه فإذا تأدب القلب تأدبت سائر الجوارح . ( قوله : شرط الخشوع الخ ) يشير بذلك كما صرّح به الشارح إلى أنّ الخشوع لا يتم إلا إذا أدى إلى غيبة المصلي عمن معه بواسطة استغراقه في لذة مناجاته ، ولذا شرع له السلام في التحلل من الصلاة لشبهه بمن قدم على جماعة بعد غيبته عنهم .
( قوله : إطراق السريرة الخ ) أي عدم التفاتها إلى غير الحق بشرط الأدب بمراعاة طرق المتابعة بمشهد الحق وحضور القلب بمراقبة إحاطة العلم بحركاته وسكناته الظاهرة والباطنة ، وذلك يزيد بكثرة شهود الآثار العجيبة ، ومن أجل ذلك كان بعض العارفين يختار سكنى المدن الواسعة لكثرة الآثار فيها فيشهد المؤثر فيها ، وقد سئل بعضهم عن رؤية اللّه في الآخرة فقال : هي رؤية وجود لا أنّه في محدود فافهم .
( قوله : أو يقال : الخشوع ذبول ) أي انقباض وهيئة انكسار يرد على البدن والجوارح الظاهرة ناشئا ذلك من خشوع القلب باجتماع همه على مراقبة ربه فيما قام به من حقه .
( قوله : أو يقال : الخشوع ذوبان القلب ) بشهود سطوات القهر مع انفراد الحق بالأفعال وانخناسه وصموته بسبب الحيرة في المخلص مما هو فيه الناشئ من غلبات طوارق الحقيقة فتدبر .
( قوله : أو يقال : الخشوع قشعريرة الخ ) أقول : كل قد تكلم بحسب ذوقه من صافي شرابهيُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ[ الرعد : 4 ] . ( قوله : كان الشأن الخ ) محصله أنّ الذي ينبغي للعبد كتم الحال الذي يتعبد به إذ هو من الأسرار ما دام قادرا على كتمه ، وإلا فلا حرج عليه إذلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة :