عند الصدمة الأولى أعظم ، فإذا كان العبد ناظرا إلى الحق المبليّ كان حاله في أول دخوله كحاله في آخره ( مثل أيوب عليه السلام فإنّه قال في آخر بلائه :
مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
[ الأنبياء : 83 ] فحفظ ) لما اشتد عليه البلاء ( أدب الخطاب حيث عرض ) بعد قوله : مسني الضر ( بقوله : وأنت أرحم الراحمين ) أي فصبرني لأنّك أرحم الراحمين ، ورحمتك للناس عامة وأنا منهم ( ولم يصرح بقوله : ارحمني ) فلم يذكر مسني الضر شكوى عن البلوى بل ذكره توطئة لطلب الصبر ، ولم يقل :
وأنت أرحم الراحمين طلبا لزوال البلاء بل للصبر عليه . ( واعلم أنّ الصبر ) بالنسبة للصابرين ( على ضربين : صبر العابدين وصبر المحبين فصبر : صبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظا ) لشدة احتياجهم إليه في الأعمال ( وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضا ) أي متروكا ليشتد قلقهم في الوصول إلى مطلوبهم ، ويزول عنهم صبرهم لسرعة وصولهم إلى محبوبهم . ( وفي معناه ) مما يدل على نفي صبرهم ( أنشدوا : تبين يوم البين ) أي الفراق والبعد ( إن اعتزامه ) أي عزمه ( على الصبر من إحدى الظنون الكواذب ) المعنى أنّه في حال قربه من محبوبه ، وتنعمه بأنسه به إذا عزم على أنّه إن أبعده صبر ، فلما ورد وقت الامتحان والابتلاء تبين أنّ عزمه كان ظنا كاذبا ، ( وفي هذا المعنى ) أيضا ( سمعت الأستاذ أبا علي رحمه اللّه يقول :
أصبح يعقوب عليه السلام وقد وعد الصبر من نفسه ) أول النهار ( فقال ) لبنيه :
(
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
[ يوسف : 83 ] أي فشأني صبر جميل ، ثم لم يمس حتى قال :
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
) [ يوسف : 84 ] لما امتلأ قلبه من حبه .
شرح
( قوله : كان حاله في أوّل دخوله كحاله في آخره ) أقولّ بل قد يكون حاله التلذذ في أوله والتضرر بزواله في آخره خوف الامتحان بالعافية . ( قوله : أن يكون محفوظا ) أي دائما لا ينفك عن ذلك . ( قوله : تبين يوم البين الخ ) حاصل معناه كما أشار إليه الشارح مع بعض إيضاح أنّ المحب قد يخيل إليه في حالة قربه من محبوبه أنّه يمكنه الصبر على فراقه لو اتفق وهذا التخيل من الظنون الكاذبة بل من الأوهام الفاسدة إذ كيف يكون بقاء الجسم بدون روح . ( قوله : أصبح يعقوب عليه السلام الخ ) أقول : صبره وعدمه باللّه ، وفي اللّه ، وللّه راجع الفصل اليعقوبي تفهم واللّه أعلم .