تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
باب الرجاء بالمد بمعنى الأمل وسيأتي بيانه وسببه الدوام على الأعمال الصالحة ، وهو
شرح

باب الرجاء

اعلم أن حقيقة الرجاء تعلق القلب بمرغوب فيه مع الأخذ في الأسباب وهو مندوب إليه بهذا المعنى بخلاف الطمع فإنه محرّم ، فالرجاء حينئذ من قبيل طلب غائب وانتظار مفقود وذلك من أضعف منازل العوام لأنه معارضة من وجه ودعوى من وجه آخر ولفائدة واحدة نطق به التنزيل ووردت به السنة ، وهي تبريد حرارة لئلا يفضي بالعبد إلى اليأس فهو دواء لمرض الخوف ، وهو لا يعرض إلا للعوام من العبيد أما الخواص منهم ، فالرجاء عندهم شكوى وعمى إذ هم دائما على بر الألطاف وغرق بحر الجود وتحت قابلية الإحسان فلم يدع لهم ما شاهدوه مستزادا ، ولا ما كوشف لهم عنه في الدارين مرادا ، فالرجاء عندهم وهن وعقال في الإرادة وعلة ووصمة في المحبة فما ترك وجود الحق لهم غرضا ولا أبقى جوده لهم رجاء ولا غادر حبه لشيء من الكونين في قلوبهم أثرا ، فالعارفون المحققون لم يبق لهم أمل يتعلقون به ، ولا غرض يستوقفهم معه في أقل أقل ما لاطفهم به من أجل أجل ما تنتهي إليه رغباتهم ، ولهذا أشار سيد الكمل صلّى اللّه عليه وسلّم في أخباره عن نعيم أهل الجنة حيث قال : « ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » ، فإذا كان ذلك لهم من حظ النفس من الجنة فما ظنك بما لهؤلاء ممن حظ قلوبهم من اللّه عز وجل ، ثم اعلم أن من أسباب الرجاء التوبة وحسن الظن باللّه تعالى لأن العبد إذا تأمل وجد ما منه إليه إنما هو احسانه من أفضاله وعطاؤه من امتنانه حيث أوجده من العدم وأمده بالنعم من باب الكرم ، وجعله مؤمنا من غير سالفة ولا قدم بل هو وجوده وكرمه وامتنانه . قال أبو حبيب البدوي رحمه اللّه تعالى : لم نر خبرا قط إلا من ربنا فما لنا نكره لقاء من لم نر خيرا قط إلا منه ، وقال الشاذلي نفعنا اللّه به : أما نحن فلا نحب غير اللّه تعالى فقال له رجل قد أبى ذلك جدك يا سيدي بقوله : جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فقال إنا لم نر محسنا إلّا اللّه تعالى ، فلا نحب سواه ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أحبوا اللّه لما يغذوكم من نعمة وأحبوني بحب اللّه ، الحديث » « 1 » . ( قوله : وسببه الدوام على
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( مناقب 31 ) .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 321 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على