يقوّم به الشاردين ) أي : الهاربين بمعاصيهم ( عن بابه ) فلا يردهم عنها إلا خوفهم من عذاب ربهم تبارك وتعالى وسطوته . ( وقال أبو القاسم الحكيم : الخوف على ضربين رهبة وخشية فصاحب الرهبة يلتجىء إلى الهرب إذا خاف ) من شيء ( وصاحب الخشية يلتجىء إلى الرب ، ورهب وهرب يصح أن يقال إنهما واحد معنى مثل جذب وجبذ فإذا هرب انجذب في مقتضى هواه كالرهبان الذين اتبعوا أهواءهم ، فإذا كبحهم ) أي : جذبهم ( لجام العلم ) بأن منّ اللّه عليهم بالعلم ( وقاموا بحق الشرع ) وعلموا أن لا ملجأ من اللّه إلا إليه وأن رحمته واسعة ( فهو ) أي : ما اتصفوا به من ذلك ( الخشية ) حاصله أنه مدح العلماء الذين وصفهم اللّه بالخشية ، فإن العبد إذا تفكر في ذنبه ، وشدة عقاب ربه رهب وهرب أي : خشي أنه لا يقبل توبته ، فإذا من
شرح
النفوس ، وقوله : يقوّم به الشاردين أي يعدلهم به ويصيرهم إلى الاستقامة . ( قوله : أي الهاربين بمعاصيهم ) الباء في قوله : بمعاصيهم للسببية كما لا يخفى . ( قوله : يلتجىء إلى الهرب ) أي يرجع إلى اللّه إذا خاف وعيده . ( قوله : يصح أن يقال انهما واحد معنى ) أي ، وهو الرجوع إلى الطاعة . ( قوله : فإذا هرب انجذب في مقتضى هواه ) أي عنه ففي بمعنى عن فهو بمعنى قوله : فإذا كبحهم لجام العلم الخ ، وحينئذ فقوله : كالرهبان مثال لمن كان منصرفا في هواه بشاهد حظ نفسه قبل أن تدركه عناية الجذب هذا ما ظهر في جمع أطراف كلامه فانظره ، ويحتمل إبقاء في علي معناها ، ويكون بيانا لحال بعده بملابسة الحظ ، وذلك ما يلوح من كلامه ، وفيه تأمل فتدبره .
( قوله : فإذا كبحهم ) أي ردهم لجام العلم أي العلم الذي هو كاللجام ، حيث علموا بواسطة أنواره ما يضرهم وما ينفعهم ، وقوله : وقاموا بحق الشرع أي بأن عملوا به وتحلوا بثمرته ، وقوله : فهو الخشية الجملة جواب قوله : فإذا كبحهم الخ . ( قوله : فهو الخشية ) أي وهي أعلى من مطلق الخوف ، والهيبة أشرف من الخشية ، إذ لا تكون إلا عن شهود بعد رفع الحجب عن العبد المقرب ، والحاصل أن الخوف سببه مجرّد الإيمان ، والخشية سببها الإيمان المصاحب للعلم ، والهيبة سببها الإيمان ، والعلم المقارن للمشاهدات والمعاينات .
( قوله : حاصله أنه مدح العلماء ) محصل كلام الشارح أن مراد المؤلف الثناء على العلماء بما يترتب على علمهم من بالرجوع إلى الطاعة واعتدال الخوف ، والرجاء بعد افراط الخوف بملابسة المخالفات ، واسترسال النفس في الشهوات ، وذلك بنظرهم في أسمائه تعالى وصفاته فرأوا أنه ، كما وصف نفسه بأنه شديد العقاب الموجب للرهبة ، والهرب قد وصفها كذلك بأنه غفور رحيم الموجب للرجاء ، والرجوع إليه ، فاعتدل بذلك خوفهم ورجاؤهم ، كما ذكر ودامت طاعتهم ومراقبتهم وخشيتهم فتأمله .