تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
عليه بالعلم وعلم أنه يقبل التوبة رجع إليه واعتدل خوفه ورجاؤه وصار من العلماء العاملين للّه على الخشية لعلمه بصفاته ، وهو أنه شديد العقاب غفور رحيم ، ولعلمه بما أجراه اللّه عليه من المعصية والتوبة عنها ، فإذا نظر إلى وقوع المعصية خاف وإذا نظر إلى أنه تعالى منّ عليه بالتوبة رجا ، واعتدل خوفه ورجاؤه كما ذكره ودامت طاعته ومراقبته وخشيته ( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد اللّه بن محمد الرازي يقول : سمعت أبا عثمان يقول : سمعت أبا حفص يقول : الخوف سراج القلب به يبصر ) بواسطة العلم ( ما فيه من الخير والشر ) فالخوف في الحقيقة حامل له على التثبت ليميز الخير من الشر وتمييزه بالعلم لا بالخوف . ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه اللّه يقول : الخوف أن لا تعلل نفسك بعسى وسوف ) بل تطلب ما تأمن
شرح
( قوله : الخوف سراج القلب الخ ) أقول ولذلك قيل إذا أردت أن تعرف قدرك عند مولاك ، فانظر فيما يقيمك فيه لأنّ المنازل على حسب النازل ، فإن وجهك إلى الدنيا فقد أهانك وإن شغلك بالخلق فقد صرفك ، وإن وجهك إلى العمل فقد أعانك ، وإن فتح لك في العلم فقد أرادك ، وإن فتح لك بابا إلى مناجاته فقد قربك ، وإن واجهك بالبلاء فقد هداك ، وإن صرفك عن الاعراض فقد أدبك ، وإن رضيت به وعنه فقد فتح لك باب الرضا منه ، وهو أعظم الأبواب وأكملها ، وأتمها قال عبد الواحد بن زيد رحمه اللّه : الرضا باب اللّه الأعظم ، وسراج العابدين وجنة الدنيا ، وفي الخبر يقول اللّه تعالى : « أنا اللّه لا إلا إلا أنا خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن خلقته للخير ، وأجريت الخير على يديه ، وويل لمن خلقته للشر ، وأجريت الشر على يديه » وفي الحديث : « من أراد أن يعلم ما له عند اللّه فلينظر ما للّه عنده فان اللّه ينزل العبد حيث ينزله العبد من نفسه » . ( قوله : به يبصر الخ ) أي بواسطة نور القلب العلمي يبصر ما فيه من الخير والشر ، فيدوم أو ينكف . ( قوله : على التثبت ) أي التوقف عن المخالفات ، وغيرها حتى يتبين هذا من ذاك بذوق العلم ، على أن أصل الباعث على كل خير العلم ، لأن الخوف وغيره من المقامات لا يتحقق للعبد إلا بما ينكشف له بنوره ، ويؤيد ذلك خبر : « من أراد اللّه به خيرا يفقهه في الدين » ، وكفى العلم شرفا أن يدعيه من ليس متصفا به ، ويشرف به من تحلى بنعته . ( قوله : أن لا تعلل نفسك الخ ) أقول : ذلك نتيجة الخوف ، وثمرته لا نفسه وحقيقته ، إذ هو الفزع من الوعيد وإشارات التهديد ، فالخوف هو الباعث للعبد على أن لا يعلل نفسه بعسى وسوف إذ مقتضاه الرجوع بالفعل عن جميع المخالفات ، والأخذ في الجدّ في الطاعات من غير توان ، ولهذا المعنى أشار عارف وقته حيث قال في تائيته :وجدّ بسيف العزم سوف ، وإن تجد * تجد نفسا فالنفس إن جدت جدّت وأقبل إليها وانحها مفلسا فقد * وصيت لنصحي إن قبلت وصيتي