تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
به وتهرب مما تخافه ، وهذا في الخوف المعتدل لأن الناقص لا يحمل على طلب ولا هرب والمفرط يوقع في القنوط واليأس من رحمة اللّه وكلاهما منهي عنه ، فالذي يحمل العبد على مسارعته إلى خلاصه مما يخافه هو المعتدل ، وصاحبه لا يعلل نفسه بعسى ولا بسوف بل يهرب في الحال من كل مخوف . ( سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه يقول : سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول : سمعت أبا عمر الدمشقي يقول : الخائف من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان ) لأنها أعدى الأعداء وأقربهم وألزمهم للإنسان إذ لا يمكن الخلاص منها ، ولأنه لا قدرة عليك إلا بميل نفسك إلى الشهوات ، وإن كان هو الذي يزينها لها ويذكرها بأنواعها فكان الحذر منها أشد منه ، ولذلك كانت أعدى عدوّ للإنسان كما جاء في الخبر . ( وقال ابن الجلاء : الخائف من تؤمنه المخوفات ) أي : تجعله في أمان بأن يأمن منها في حال طروقها عليه ، فلا يؤثر فيه لغيبته عنها بخوف اللّه ، ومن غاب عن الأشياء غابت عنه ، ولأنّ من علم أنه لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع إلا اللّه تعالى لم يخف غيره من سبع ونار وغيرهما ، كما وقع للسيد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، فمن لم يخف غير مولاه أمن من كل مخوف ، وإن خاف من بعض المخلوقات فإنما يخاف
شرح
( قوله : وهذا في الخوف المعتدل ) أي ما تقدم من قوله : أن لا تعلل نفسك الخ إنما هو في الخوف المعتدل أي المتوسط لا الناقص الذي لا يحمل على شيء ، ولا المفرط المؤدّي للقنوط . ( قوله : الخائف من يخاف الخ ) الغرض من ذلك الحث على مخالفة النفس إذ جل الضرر ثابت بمتابعة هواها ، فإن الشيطان يسهل أن تبعده عن نفسك بنحو الاستعاذة ، وغير ذلك من الوارد ، ولا كذلك النفس ، فينبغي حينئذ الخوف منها أكثر وأيضا فإن الشيطان يمكن علم دسائسه ، فتجتنب ، ولا كذلك النفس لأنها رواغة فتانة خداعة . ( قوله : من تؤمنه المخوفات ) أي لاستغراقه في فناء الأفعال في فعله تعالى ، فلا يرى فاعلا غيره سبحانه وتعالى وذلك لما تحقق عنده من الخوف والجلال والعظمة له تعالى ، وبها قد غاب عن كل شيء سواها ، ولا يخفى ما في قوله : تؤمنه المخوفات من المبالغة الرقيقة الآخذة بمجامع القلوب نسأل اللّه بركة أنفاس أحبائه . ( قوله : ولأن من علم الخ ) أي وعلم ذلك لازم للخوف كما هو ظاهر . ( قوله : كما وقع للسيد إبراهيم الخ ) أي كما وقع له وقت القائه في نار نمروذ حين هبط عليه جبريل قائلا له ألك حاجة حيث قال له : أما إليك فلا وعلمه بحالي يغني عن سؤالي . ( قوله : وإن خاف من بعض المخلوقات الخ ) جواب عما يقال : أنا كثيرا نرى من تحقق بالخوف